
نجم الدين دريسة
الأمم لا تسقط حين تُهزم في الحروب، بل حين تعجز عن مراجعة أخطائها
لم تكن الأزمة السودانية التي انفجرت في حرب أبريل 2023 حدثاً مفاجئاً أو معزولاً عن سياقها التاريخي، بل كانت النتيجة المنطقية لمسار طويل من الإخفاقات السياسية والفكرية التي صاحبت بناء الدولة السودانية منذ الاستقلال. فالدول لا تنهار في لحظة واحدة، وإنما تتآكل تدريجياً حين تعجز نخبها عن مواجهة أخطائها، وحين تفضّل إدارة الأزمات على معالجة جذورها.
لقد أثبتت تجارب الشعوب أن بناء الدول الحديثة يبدأ دائماً بمراجعة شجاعة للماضي. ألمانيا لم تصبح ديمقراطية مستقرة إلا بعد مواجهة إرث النازية، ورواندا لم تستطع تجاوز مآسي الإبادة إلا عبر الاعتراف والعدالة والمصالحة الوطنية. أما في السودان، فقد ظلت النخب السياسية تتجنب مواجهة الأسئلة الكبرى المتعلقة بطبيعة الدولة، وهوية السلطة، ومفهوم المواطنة، لتبقى الأزمة تتوارث نفسها من جيل إلى آخر.
عندما اندلعت ثورة ديسمبر 2018، بدا وكأن السودان يقف أمام فرصة تاريخية نادرة لإعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة. خرج الملايين مطالبين بالحرية والسلام والعدالة، وحملوا حلم الانتقال من دولة الامتيازات إلى دولة المواطنة. غير أن تلك اللحظة سرعان ما تحولت إلى فرصة ضائعة عندما جرى اختزال الثورة في تسويات سياسية مؤقتة بدلاً من تحويلها إلى مشروع تأسيسي شامل.
فالوثيقة الدستورية لعام 2019، رغم أهميتها في إدارة المرحلة الانتقالية، لم تعالج جذور الأزمة السودانية، بل اكتفت بتنظيم توازنات السلطة بين المكونات المدنية والعسكرية. وبدلاً من إحداث قطيعة واضحة مع أنماط الحكم القديمة، أبقت على كثير من عناصر الأزمة دون معالجة حقيقية، مما جعل المرحلة الانتقالية نفسها امتداداً لصراعات الماضي أكثر من كونها بداية لمستقبل جديد.
وفي قلب هذه الأزمة برزت مشكلة النخب السودانية التي تعاملت مع التحول التاريخي بعقلية إدارة التوازنات لا بعقلية بناء الدولة. فقد انشغلت القوى السياسية بالصراعات التكتيكية وتقاسم النفوذ، بينما غابت الرؤية الفكرية الجامعة القادرة على صياغة مشروع وطني يتجاوز الانقسامات التقليدية بين المركز والهامش، وبين الدين والسياسة، وبين السلطة والمجتمع.
ولم يكن هذا الفشل وليد مرحلة ما بعد الثورة فقط، بل امتداداً لمسار تاريخي بدأ منذ الاستقلال. فالدولة السودانية تشكلت وفق نموذج مركزي احتكر السلطة والثروة والقرار السياسي، بينما ظلت مناطق واسعة تعاني من التهميش الاقتصادي والسياسي والثقافي. ومع مرور الوقت، تحولت هذه الاختلالات إلى حروب ونزاعات متكررة أضعفت الدولة وأفقدتها قدرتها على بناء عقد اجتماعي جامع.
ثم جاء عهد الإنقاذ ليعمّق هذه الأزمة بصورة غير مسبوقة. فعلى مدى ثلاثة عقود، أعيد تشكيل مؤسسات الدولة وفق معايير الولاء السياسي والأيديولوجي، وتراجعت قيم الكفاءة والمواطنة لصالح الانتماءات الحزبية والعقائدية. وأصبح التعليم والإعلام والخدمة المدنية أدوات لإعادة إنتاج السلطة بدلاً من أن تكون مؤسسات وطنية تخدم المجتمع بأكمله.
كما ساهمت سياسات الإقصاء والاستقطاب الحاد في توسيع الفجوة بين مكونات المجتمع السوداني، وأدت الحروب الممتدة في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق إلى ترسيخ مشاعر الظلم والتهميش، بينما استمرت الدولة في الاعتماد على الحلول الأمنية والعسكرية لمعالجة قضايا سياسية واجتماعية عميقة.
وعندما سقط نظام الإنقاذ في عام 2019، لم تسقط معه البنية التي أنتجته. فقد بقيت مؤسسات الدولة تعاني من التشوهات نفسها، واستمرت الصراعات حول السلطة والنفوذ دون معالجة حقيقية لأسباب الأزمة. لذلك لم يكن مستغرباً أن تنتهي المرحلة الانتقالية إلى مواجهة عسكرية شاملة بين الجيش والدعم السريع في أبريل 2023.
لقد كشفت الحرب هشاشة الدولة السودانية بصورة غير مسبوقة. فالمعركة لم تكن مجرد صراع بين قوتين عسكريتين، بل كانت تعبيراً عن فشل مشروع الدولة نفسه في إنتاج مؤسسات وطنية قادرة على إدارة التنوع وتحقيق الاستقرار. ومع اتساع دائرة الحرب، تراجعت قدرة الفاعلين المحليين على التحكم في مسار الأحداث، وازدادت أدوار القوى الإقليمية والدولية في تحديد مستقبل البلاد.
وهنا برزت مفارقة مؤلمة؛ إذ وجد السودان نفسه بعد عقود من الاستقلال عاجزاً عن إدارة أزمته الوطنية دون وساطات وضغوط خارجية. وأصبح الحديث عن وقف الحرب أو إعادة بناء المؤسسات أو إطلاق العملية السياسية مرتبطاً بمبادرات إقليمية ودولية أكثر من ارتباطه بإرادة وطنية موحدة. وهي حالة تعكس عمق الأزمة التي وصلت إليها النخب السودانية بعد سنوات طويلة من الإخفاقات المتراكمة.
لكن المعضلة الحقيقية لا تكمن في الحرب وحدها، بل في استمرار العقل السياسي نفسه الذي أنتجها. فالتاريخ السوداني يكشف أن كثيراً من النخب اعتادت تغيير الشعارات دون تغيير المنهج، وتبديل الوجوه دون مراجعة الأفكار. ولذلك ظلت البلاد تدور في دائرة مغلقة من الثورات والانقلابات والتسويات المؤقتة، دون أن تنجح في بناء مشروع وطني مستدام.
إن مستقبل السودان لن يُبنى بإعادة إنتاج التجارب الفاشلة أو بتكرار المعادلات القديمة، وإنما بالاعتراف الصريح بأن الأزمة أعمق من مجرد صراع على السلطة. إنها أزمة دولة وهوية ومواطنة وعدالة وتوزيع للسلطة والثروة. ومن دون مواجهة هذه القضايا بشجاعة ومسؤولية، ستظل البلاد معرضة لتكرار المأساة بأشكال مختلفة.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن بناء السلام لا يبدأ من اتفاقات النخب وحدها، بل من تأسيس عقد اجتماعي جديد يقوم على المساواة والعدالة واحترام التنوع وسيادة القانون. وعندما تدرك القوى السياسية أن الوطن أكبر من مصالحها الضيقة، وأن الدولة لا تُدار بعقلية الغلبة وإنما بعقلية الشراكة، يمكن للسودان أن يبدأ رحلة الخروج من أزمته التاريخية.
أما إذا استمرت النخب في تكرار أخطاء الماضي، فإن التاريخ سيعيد إنتاج نتائجه ذاتها، لأن الأمم التي ترفض مراجعة نفسها محكوم عليها بأن تعيش أزماتها مرة بعد أخرى، مهما تغيّرت الأسماء والرايات والشعارات.




