
محمد داؤد بنداك
قبل أن تنفجر الحرب وتتحول السودان إلى وطنٍ مكسور تتناثر أشلاؤه بين المقابر ومخيمات النزوح وصفوف اللاجئين، كنا نحذر منها بصوت عالٍ. لم نكن نقرأ الطالع، ولم نكن نمارس رفاهية التحليل السياسي، بل كنا نرى بأعيننا كيف كانت ماكينة الحرب تُدار عمدًا داخل الغرف المظلمة، وكيف كانت البلاد تُساق نحو الكارثة دفعًا.
كان قادة الحركة المتأسلمة يتحدثون عن الحرب كما لو أنها موسم حصاد ينتظرونه بشغف. استمعنا إليهم وهم يهددون ويتوعدون ويتحدثون بلغة الغلبة والاستعلاء. أحدهم أعلنها صراحة بأن ذلك سيكون “آخر إفطار رمضاني” قبل نزول مقاتلي الحركة الإسلامية إلى الميدان. وآخر قال، في قمة الغرور السياسي والأخلاقي، إنه “لا يوجد في السودان من هو أفهم وأرجل من الإخوان المسلمين”، وإن الشعب السوداني لا يمكن أن ينعم بالأمن أو الاستقرار إلا تحت عباءتهم ورضاهم.
ثم خرج آخر ليسخر من الاتفاق الإطاري ومن تطلعات السودانيين للانتقال المدني، صارخًا: “بلّوه واشربوا مويتو”، متوعدًا بإخراج قادتهم من السجون محمولين على الأعناق.
تلك لم تكن زلات لسان، بل كانت إعلانًا مبكرًا للحرب.
ثم بدأت الدماء.
حوصرت معسكرات المدينة الرياضية، وقُتل المئات، وانفجرت الخرطوم في وجه أهلها. تحولت العاصمة إلى مدينة أشباح؛ الرصاص فيها أعلى من صوت الحياة، والدانات أكثر حضورًا من الأذان وأجراس الكنائس. انهارت المدن، وتفككت الأسر، وفرّ الناس من بيوتهم كما يهرب الناجون من نهاية العالم.
أُغلقت الحدود في وجوه البسطاء، وتكدس الملايين في طرق النزوح، شرقًا وشمالًا وخارج البلاد، يحملون ما تبقى من أعمارهم فوق أكتافهم.
واليوم، وبعد كل هذا الخراب، يخرج علينا بعض أصحاب الولاء الأعمى والخوف السياسي ليتحدثوا عن الانتهاكات، لكن بعيون نصف مغمضة، ولسانٍ ينتقي الجرائم وفق الهوى والانتماء. يدينون طرفًا، ويصمتون عن الطرف الآخر، وكأن دماء السودانيين درجات، وكأن الفظائع تُقاس بالولاء السياسي لا بميزان الإنسانية.
لكن الحقيقة لا يمكن دفنها.
الحقيقة أن هذه الحرب كشفت أبشع ما يمكن أن تصل إليه وحشية الإنسان حين يتحول الوطن إلى ساحة كراهية مفتوحة.
بُقرت البطون، وحُمِلت الأحشاء البشرية وسط التكبير والهتاف. ذُبح رجال كما تُذبح الشياه، ووُثقت الجرائم بالفيديو دون خوف أو خجل. شباب التكايا الذين كانوا يطعمون الجوعى اعتُبروا متعاونين مع العدو، فاعتُقلوا وأُعدم بعضهم بالرصاص لأنهم اختاروا إطعام الناس بدل تركهم للمجاعة.
وفي مشروع الفاو الزراعي، جرى اصطياد عشرات العمال الزراعيين من سكان الكنابي وقتلهم فقط لأنهم ينحدرون من غرب السودان أو جنوبه. نساء عُذبن وقُتلن لأنهن بعن الطعام والشاي لجنود الدعم السريع، وكأن لقمة العيش أصبحت جريمة تستوجب الإعدام.
هذه ليست تجاوزات فردية، بل انهيار كامل لفكرة الدولة والأخلاق والإنسان.
ومع ذلك، فإننا لا نمارس تجارة الدم، ولا ننتقي الضحايا حسب الانتماء. نحن ندين كل جريمة، وكل انتهاك، وكل رصاصة استهدفت مدنيًا أعزل، مهما كان مرتكبها، ومهما كان الشعار الذي يرفعه.
فالقاتل يظل قاتلًا، حتى لو احتمى براية الوطن أو الدين أو الثورة.
إن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس فقط استمرار الحرب، بل محاولات تزوير الوعي، وتبييض الجرائم، وتحويل المأساة الوطنية إلى مادة للدعاية السياسية الرخيصة.
ولهذا سنظل نقولها بوضوح لا لبس فيه:
لا للحرب.
لا للحرب التي قتلت السودان حيًا قبل أن تقتل أبناءه.
لا للحرب التي حوّلت المدن إلى مقابر مفتوحة، والأطفال إلى لاجئين، والنساء إلى أرامل، والشعب كله إلى رهينة للخوف والجوع والرصاص.
يجب أن تتوقف هذه الحرب فورًا.
ويجب أن يخضع كل من ارتكب جريمة بحق السودانيين للمحاسبة والعدالة، أيًا كان موقعه، وأيًا كانت الجهة التي يقاتل باسمها.
فلا وطن يُبنى بالجثث، ولا دولة تقوم فوق جماجم الأبرياء.



