
نجوي بابو
في تاريخ السودان الحديث، لم يكن الصراع الحقيقي بين المدنيين والعسكريين فقط، ولا بين المركز والهامش فحسب، بل كان أيضاً صراعاً خفياً حول من يملك النفوذ داخل المجتمع نفسه. وفي هذا السياق لعبت الإدارة الأهلية دوراً محورياً، انتقلت خلاله من مؤسسة اجتماعية راسخة إلى أحد أهم أدوات إعادة إنتاج السلطة.
منذ الاستقلال، عجزت الدولة السودانية عن بسط نفوذها الكامل على الأطراف الشاسعة. لم تكن هناك مؤسسات حكومية قادرة على إدارة الحياة اليومية في الريف كما ينبغي، ولذلك ظل الناظر والعمدة والشيخ يمثلون السلطة الفعلية في مناطق واسعة من البلاد. كانوا يحتكمون إلى الأعراف المحلية، ويقودون المصالحات، ويضبطون العلاقات الاجتماعية، ويشكلون مرجعية للمجتمعات التي سبق وجودها قيام الدولة نفسها.
لكن هذه القوة الاجتماعية تحولت مع مرور الزمن إلى هدف سياسي.
فكل سلطة جاءت إلى الحكم أدركت أن السيطرة على الخرطوم لا تعني بالضرورة السيطرة على السودان. لذلك كان الطريق إلى الأقاليم يمر دائماً عبر القيادات الأهلية. الأحزاب السياسية استخدمتها لحشد الأصوات، والأنظمة العسكرية استخدمتها لتأمين الولاءات.
غير أن العسكر كانوا الأكثر براعة في استثمار هذه المؤسسة.
عندما استولى الجيش على السلطة عام ١٩٥٨حاول نظام الفريق إبراهيم عبود إخضاع الإدارة الأهلية لمركزية الدولة. أما نظام جعفر نميري فذهب أبعد من ذلك عندما أعلن إلغاءها رسمياً، معتقداً أن الدولة الحديثة قادرة على الحلول محل البنى التقليدية. لكن التجربة انتهت إلى نتيجة معاكسة؛ إذ اكتشفت السلطة أن القبيلة لم تكن مجرد هيكل إداري يمكن حذفه بقرار سياسي، بل كانت واقعاً اجتماعياً عميق الجذور.
ومع وصول نظام الإنقاذ إلى الحكم عام ١٩٦٩حدث التحول الأكبر.
لم يسعَ النظام إلى إلغاء الإدارة الأهلية أو تهميشها، بل أعاد بناءها بما يخدم مشروعه السياسي. فجرى توسيع عدد النظارات والإمارات، ومنحت القيادات القبلية سلطات وامتيازات ومواقع رسمية، وأصبحت جزءاً من شبكة النفوذ التي اعتمد عليها النظام لترسيخ حكمه.
غير أن هذه العملية لم تكن مجرد إعادة إحياء للإدارة الأهلية، بل كانت أيضاً إعادة تشكيل عميقة لموازين القوة داخل المجتمعات المحلية. فقد جرى تعزيز نفوذ القيادات الموالية للسلطة على حساب العديد من بيوتات الإدارة الأهلية التاريخية التي كانت تستمد شرعيتها من الأعراف والقبول المجتمعي. وبدلاً من الحفاظ على استقلال المؤسسة الأهلية، تعرضت في كثير من المناطق إلى عمليات تفكيك وإعادة تشكيل أفرغتها من كثير من مضامينها التقليدية، وربطت مكانة قياداتها ومدى نفوذها بدرجة قربها من السلطة السياسية.
ومع مرور الوقت أصبح بعض ممثلي الإدارة الأهلية أقرب إلى موظفين داخل المنظومة الحكومية منهم إلى ممثلين لمجتمعاتهم المحلية. ولم يعد دورهم مقتصراً على إدارة الشؤون الاجتماعية وحل النزاعات، بل امتد إلى تأمين الولاءات السياسية وحشد الدعم للسلطة. ولهذا يرى منتقدو هذه التجربة أن بعض الإدارات الأهلية تحولت إلى ما يشبه جهازاً للضبط السياسي والاجتماعي داخل المجتمعات المحلية، يعمل تحت غطاء الشرعية القبلية.
كما انعكست هذه التحولات على قضايا التنمية والخدمات. فبدلاً من أن تكون الإدارة الأهلية صوتاً للمجتمعات المحلية في المطالبة بحقوقها في التنمية والإعمار، أصبحت في بعض الحالات جزءاً من شبكات المصالح المرتبطة بالسلطة. وتراجعت المطالب الجماعية لصالح الامتيازات الفردية والمكاسب الخاصة، بينما استمرت مناطق واسعة في مواجهة التهميش وضعف الخدمات الأساسية. وهكذا فقدت المجتمعات المحلية جانباً من قدرتها على الدفاع عن حقوقها التنموية عبر مؤسساتها التقليدية.
هنا لم تعد الإدارة الأهلية مؤسسة مستقلة تتوسط بين المجتمع والدولة، بل أصبحت في كثير من الحالات جزءاً من الدولة نفسها.
وبدلاً من أن تكون القبيلة أداة لحماية التماسك الاجتماعي، تحولت تدريجياً إلى ساحة للتنافس السياسي. وأصبح الصراع على المناصب الأهلية مرتبطاً بالصراع على الموارد والنفوذ والتمثيل السياسي. ومع مرور الوقت، تراجعت الحدود الفاصلة بين الزعامة الاجتماعية والسلطة الحكومية.
هذه هي اللحظة التي يمكن وصفها بولادة الإدارة الأهلية المدجّنة.
فالتدجين السياسي لا يعني اختفاء الإدارة الأهلية، بل يعني بقاءها شكلياً مع فقدان استقلال قرارها. تصبح القيادة التقليدية مرتبطة بمصالح السلطة أكثر من ارتباطها بالمجتمع الذي تمثله. وتتراجع قدرتها على انتقاد الدولة أو الوقوف في وجهها، لأنها أصبحت جزءاً من منظومتها.
والنتيجة أن السودان دخل في حلقة معقدة: دولة ضعيفة تعتمد على القبيلة، وقبيلة تعتمد على الدولة، بينما تتراجع المؤسسات الوطنية الجامعة التي يفترض أن تربط المواطنين على أساس الحقوق والواجبات لا الانتماءات الأولية.
بعد ثورة ديسمبر ٢٠١٨ عاد الجدل بقوة حول مستقبل الإدارة الأهلية. فهناك من يرى أنها ضرورة اجتماعية لا غنى عنها في بلد متعدد الثقافات وضعيف المؤسسات. وهناك من يرى أن التجربة أثبتت خطورة توظيفها سياسياً، وأن بناء دولة المواطنة يتطلب تحرير المجال العام من هيمنة الولاءات التقليدية.
لكن الحقيقة الأكثر إلحاحاً هي أن الأزمة ليست في وجود الإدارة الأهلية بحد ذاتها، وإنما في طبيعة العلاقة التي ربطتها بالسلطة. فحين تكون مستقلة يمكن أن تساهم في الاستقرار وحل النزاعات، وأن تكون جسراً بين الدولة والمجتمع. أما حين تتحول إلى أداة بيد الحكام، فإنها تصبح جزءاً من الأزمة لا جزءاً من الحل.
لقد نجح العسكر في السودان، خلال عقود طويلة، في اختراق المجتمع عبر بوابة الإدارة الأهلية. لكنهم في المقابل أضعفوا فرص بناء دولة حديثة قائمة على المؤسسات، وأعادوا إنتاج النفوذ التقليدي في صورة تخدم السلطة أكثر مما تخدم المجتمعات المحلية. ولذلك فإن أي مشروع وطني للمستقبل لن ينجح ما لم يعالج هذه المعضلة التاريخية: كيف يمكن الحفاظ على الدور الاجتماعي للإدارة الأهلية، دون أن تتحول مرة أخرى إلى ذراع سياسية للسلطة أو منصة لإعادة إنتاج النفوذ التقليدي؟
ذلك هو السؤال الذي ظل السودان يؤجل الإجابة عنه منذ الاستقلال، وما زال يدفع ثمن هذا التأجيل حتى اليوم.




