
جيلان شريف
في أوقات الحروب والأزمات الكبرى، لا تُختبر الدول فقط بقدرتها على إدارة الصراع، بل بمدى تمسكها بقيم العدالة والمواطنة والتعايش. غير أن ما يشهده السودان اليوم من تصاعد مقلق لخطابات الكراهية والعنصرية والتحريض على أساس العرق أو القبيلة أو الجهة يطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل البلاد ووحدة نسيجها الاجتماعي.
ففي ظل الانهيار الذي فرضته الحرب، برزت إلى السطح خطابات تقوم على التصنيف والفرز بين المواطنين، وتغذي مشاعر الشك والعداء تجاه فئات بعينها. ولم تعد بعض هذه الخطابات تقتصر على منصات التواصل الاجتماعي أو السجالات السياسية، بل أصبحت جزءاً من المشهد العام، بما يحمله ذلك من مخاطر على السلم الأهلي ومستقبل التعايش بين السودانيين.
ومن أكثر الظواهر إثارة للجدل ما يُعرف بحملات ملاحقة “الوجوه الغريبة”، وهي تسمية تحمل في جوهرها دلالات خطيرة، لأنها تنقل الاشتباه من دائرة السلوك والفعل إلى دائرة الهوية والانتماء. فعندما يصبح شكل الإنسان أو لهجته أو منطقته سبباً للريبة، فإن المجتمع يكون قد بدأ في الانزلاق نحو منطق الإقصاء بدلاً من الاحتكام إلى القانون.
وتزداد خطورة هذه الظاهرة عندما تتزامن مع حوادث مأساوية تثير الرأي العام وتغذي المخاوف من تنامي التمييز والكراهية. ومن بين هذه الحوادث ما أُثير حول مقتل الشابين خالد فيصل ومحمد بخيت، المنتميين إلى قبيلة الهبانية، وهي واقعة أثارت ردود فعل واسعة وتساؤلات عميقة حول المناخ العام الذي باتت تتحرك فيه قضايا الهوية والانتماء داخل السودان.
وبغض النظر عن الملابسات القانونية لأي حادثة أو نتائج التحقيقات بشأنها، فإن القلق الحقيقي يكمن في تنامي الشعور لدى قطاعات واسعة من المواطنين بأن الانتماء القبلي أو الجهوي قد يتحول إلى عامل يؤثر في النظرة إليهم أو طريقة التعامل معهم. وهذا الشعور وحده كفيل بإحداث شرخ عميق في الثقة بين الدولة والمجتمع، وبين مكونات المجتمع نفسه.
لقد أثبتت تجارب الشعوب أن خطاب الكراهية لا يبدأ بالعنف، بل يبدأ بالكلمات. يبدأ بتصنيف الناس إلى “نحن” و”هم”، ثم يتطور إلى تبرير الإقصاء والتمييز، قبل أن يتحول في مراحل أكثر خطورة إلى ممارسات وانتهاكات تهدد الأمن والاستقرار. ولهذا فإن مواجهة العنصرية ليست قضية أخلاقية فحسب، بل ضرورة وطنية لحماية وحدة البلاد ومستقبلها.
السودان بلد متعدد الأعراق والثقافات والقبائل، وهذه التعددية ليست عبئاً ينبغي التخلص منه، بل ثروة وطنية يجب الحفاظ عليها. وأي محاولة لاختزال المواطنين في هوياتهم الضيقة أو التعامل معهم وفقاً لأصولهم بدلاً من حقوقهم القانونية تمثل تهديداً مباشراً لفكرة الدولة نفسها.
إن مواجهة التحديات الأمنية لا تكون عبر الاشتباه الجماعي أو الأحكام المسبقة أو حملات التصنيف، وإنما عبر مؤسسات عدلية مستقلة تطبق القانون على الجميع دون تمييز. فسيادة القانون وحدها هي التي تضمن الأمن وتحمي المجتمع من الفوضى ومن الظلم في الوقت نفسه.
اليوم، يحتاج السودان أكثر من أي وقت مضى إلى خطاب وطني جامع يرفض العنصرية والكراهية ويعيد الاعتبار لقيم المواطنة المتساوية. فالدول لا تُبنى بالإقصاء، ولا يتحقق الاستقرار بتقسيم المواطنين إلى فئات متناحرة، وإنما بالعدالة والمساواة واحترام الكرامة الإنسانية.
إن المعركة الحقيقية التي يخوضها السودان ليست بين القبائل أو الجهات أو الأعراق، بل بين مشروع دولة تقوم على القانون والمواطنة، ومشروع آخر تغذيه الكراهية والانقسامات. وبين هذين الخيارين يتحدد مستقبل السودان: إما وطن يتسع للجميع، أو ساحة مفتوحة لصراعات لا تنتهي.




