
محمد تاج الدين الحلو
في كل مرة تندلع فيها صراعات قبلية جديدة، يدفع المواطنون الأبرياء الثمن من أرواحهم وممتلكاتهم، بينما تتراجع فرص الاستقرار والتنمية وبناء الدولة. ولعل استمرار العنف والتعصب القبلي يمثل اليوم أحد أخطر التحديات التي تواجه أي مشروع وطني يسعى إلى ترسيخ السلام وتحقيق النهضة.
إن بناء دولة قوية لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل يقوم على مؤسسات فاعلة، وقانون يسري على الجميع دون استثناء، ومنظومة قيم تعزز التسامح والتعايش وتحترم التنوع الاجتماعي والثقافي. فحين تضعف سلطة الدولة، تتقدم الولاءات الضيقة على حساب الهوية الوطنية، ويتحول الانتماء القبلي من إطار اجتماعي طبيعي إلى أداة للصراع والاستقطاب.
ومن هنا تبرز أهمية العمل التوعوي المستمر لترسيخ قيم المواطنة والانتماء الوطني. فالأمم التي نجحت في تحقيق الاستقرار والتقدم لم تفعل ذلك إلا بعد أن جعلت المواطنة أساس الحقوق والواجبات، وأعلت من قيمة القانون فوق أي اعتبارات أخرى. كما أن قيم الثورات والتغيير الوطني لا تكتمل إلا عندما تصبح مظلة جامعة لكل المكونات الاجتماعية، بعيداً عن العصبيات والانقسامات.
لكن التوعية وحدها لا تكفي. فقد أثبتت التجارب أن غياب العدالة والمساءلة يشجع على تكرار الجرائم ويعمق دائرة العنف. لذلك فإن الاعتماد على مصالحات هشة أو تسويات مؤقتة لا تعالج جذور المشكلة، بل تؤجل انفجارها إلى وقت لاحق. ولا يمكن أن يشعر المواطن بالأمن في ظل إفلات المتسببين في سفك الدماء من العقاب.
إن الحل يكمن في فرض هيبة الدولة وسيادة القانون بصورة عادلة وحازمة، بحيث يدرك الجميع أن الاعتداء على الأرواح والممتلكات جريمة لا يمكن التساهل معها. كما أن الحاجة أصبحت ملحة لإنشاء آليات متخصصة لمكافحة العنف القبلي وخطاب الكراهية، تشمل نيابات ووحدات أمنية مؤهلة تمتلك القدرة على التدخل المبكر ورصد مؤشرات النزاع قبل تحوله إلى مواجهات دامية.
كما ينبغي أن تضم هذه الوحدات عناصر مدربة تدريباً متقدماً في إدارة النزاعات وبناء السلام والعمل المجتمعي، مع توفير الصلاحيات القانونية والإمكانات الفنية التي تمكنها من أداء مهامها بكفاءة وفاعلية.
إن سياسة رد الفعل، القائمة على الاستنفار المؤقت والمناشدات والوساطات بعد وقوع الأحداث، أثبتت محدودية أثرها. أما الاستقرار الحقيقي فيتطلب رؤية استراتيجية طويلة المدى تعالج الأسباب وتمنع النتائج قبل وقوعها.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الأهم: هل نريد دولة تحكمها المؤسسات والقوانين أم مجتمعات تحكمها ردود الأفعال والانتماءات الضيقة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد شكل المستقبل الذي ينتظر الأجيال القادمة. فبدون سيادة القانون والعدالة والمواطنة المتساوية، سيظل بناء الدولة مشروعاً مؤجلاً، مهما تعددت المبادرات والشعارات
محمد تاج الدين الحلو




