رأي

ثورة شعب عظيم ومصير من يعاديها: إعادة تعريف التغيير في السودان بعد تحرير مستريحة

سهيبه مريش ،، نيالا

 

 سهيبه مريش

إن مسيرة الشعوب نحو الحرية واسترداد الكرامة هي قدر محتوم، وعندما تنتفض أمة عظيمة كالشعب السوداني، فإن أي محاولة لإعاقة هذا التيار الجارف تصب حتماً في خانة الضياع والمصير المحتوم لأولئك الذين يراهنون على إحباط الإرادة الشعبية. ثورة١٥ ابريل كانت نقطة تحول جذرية في تاريخ السودان، تمثل تعبيراً صادقاً عن رفض الاستبداد والفساد الذي ترسخ لعقود طويلة تحت حكم النظام السابق، المعروف بـ الكيزان. وفي خضم هذه الثورة، ظهرت شخصيات حاولت استغلال المشهد المتفجر لصالح أجندات ضيقة، ومن بينها شخصيات ارتبطت بالهوامش السياسية والعسكرية، والتي انتهى بها المطاف إلى التموضع في خانة المعرقلين لهذا التغيير التاريخي.

إن الحديث عن المعرقلين يقود حتماً إلى تحليل مسار بعض القادة الذين خانوا ثقة محيطهم وسعوا إلى تحقيق مكاسب شخصية على حساب المصلحة الوطنية. لقد أثبت التاريخ أن من يلعب بالنار ويحاول توظيف القضايا العادلة لخدمة مصالحه الذاتية يجد نفسه معزولاً ومحكوماً عليه بالفشل. ففي سياق الصراع المستمر في دارفور، وتحديداً في شمال دارفور، تبرز أحداث منطقة مستريحة كنموذج حي لكيفية تحصين الثورة ضد محاولات العرقلة والاختراق.

تحرير منطقة مستريحة من قبل القوات الحكومية الجديدة، التي تمثل جزءاً من مسار بناء مؤسسات الدولة الحديثة بعد الثورة، ليس مجرد انتصار عسكري تكتيكي، بل هو تأكيد واضح على أن دفة القيادة تتجه نحو إرادة الشعب. لقد كان الكيزان يراهنون على أن تكون منطقة مستريحة معضلة أمنية وفخاً لتعميق الانقسامات بين أبناء الهامش، مستخدمين أساليب المكر القديمة التي اعتمدت على إثارة النعرات القبلية والجهوية لضمان بقائهم في السلطة. لقد حاولوا خلق حالة من الفوضى المستدامة التي تبرر استمرار هيمنتهم كقوة ضرورية لحفظ الأمن

لكن العزيمة الصادقة لأبناء السودان، الذين تشبعوا بروح الثورة وأدركوا أن القضايا المصيرية تجاوزت حدود القبلية لتصبح حرباً شاملة ضد منظومة الحكم القديمة، كانت أقوى من كل التخطيطات الماكرة. إن تحرير مستريحة بأقل الخسائر يمثل دليلاً ساطعاً على صدق النوايا وقوة الإرادة الجمعية التي تسعى لتطهير البلاد. هذا النجاح يؤكد مجدداً أن الثورة مستمرة وأن التغيير قادم لا محالة، وأن كل الجهود التي تبذل لإعاقة هذا المسار محكوم عليها بالفشل الذريع.

إن مصير أولئك الذين حاولوا الوقوف ضد ثورة شعب عظيم هو مصير الانكشاف والعزلة. عندما يتخلى القائد عن مبادئ العدالة والثورة التي ينادي بها، ويضع نفسه في موقع يخدم أجندات النظام القديم أو مصالحه الضيقة، فإنه يضيع فرصه الكبيرة ويضع نفسه في مكان لا يحسد عليه. شخصيات مثل موسى هلال، التي ارتبط اسمها تاريخياً بالتعقيدات الأمنية والسياسية في دارفور، أظهرت ضعفاً في الحنكة السياسية حين قررت الانزواء في مسارات تتعارض مع طموحات التغيير الهائلة للشعب السوداني. خيار الوقوف ضد التيار الشعبي العارم يؤدي حتماً إلى الفرار والتخفي، كما حدث مع هرب الكيزان المتأسلمين وقرنائهم من ساحة وموسي هلال ليس ببعيد المواجهة الحقيقية، تاركين وراءهم سجلاً من الإخفاقات والمكائد.

إعادة تعريف مسألة الثورة والتغيير في المرحلة الراهنة ترتكز على محورين أساسيين: الأول هو تعزيز البناء المؤسسي للدولة الجديدة التي تضمن العدالة والمواطنة المتساوية للجميع، والثاني هو التطهير الشامل للمؤسسات من جيوب الحركة الإسلامية المناهضة للتحول الديمقراطي. إن استمرار تأثير هذه الجيوب يشكل العائق الأكبر أمام أي تقدم حقيقي. لقد أثبتوا أنهم مجموعة متماسكة تعمل كـ دولة ظل تعيق الإصلاح الاقتصادي والسياسي والأمني.

إن الفتوحات القادمة التي ستشهدها الساحات المختلفة ليست مجرد عمليات عسكرية، بل هي عمليات تحرير سياسية واجتماعية تهدف إلى اجتثاث جذور النظام القديم. وبالعزيمة والإصرار، يمكن للشعب السوداني أن يصنع المعجزات. إن تحرير قطاعات واسعة من السودان من هيمنة القوى الرجعية والانتهازية هو الهدف الأسمى لهذه المرحلة. لقد أثبتت معركة مستريحة أن القوات الملتزمة بالمسار الثوري قادرة على تحقيق أهدافها بأخلاقيات قتالية تختلف جذرياً عن سلوكيات النظام السابق الذي كان يتاجر بالدماء لتثبيت سلطته.

في الختام، ثورة الشعب السوداني هي عملية تاريخية لا رجعة فيها. إنها عملية إعادة تعريف للعلاقة بين الحاكم والمحكوم، وتأكيد على أن الكرامة الوطنية فوق كل اعتبار. مصير كل من يعادي هذه الثورة، سواء كان ذلك عبر الخيانة المباشرة أو عبر التلاعب السياسي الماكر، هو الهزيمة والعزلة والخروج من المشهد العام. إن تحرير مستريحة هو إعلان بأن الحنكة الحقيقية تكمن في الاصطفاف مع إرادة الأمة، وأن التغيير ليس خياراً بل هو حتمية تاريخية صنعها شعب عظيم بتضحياته وصبره. والأيام القادمة ستشهد استمرار هذا الزحف نحو بناء سودان جديد، خالٍ من إرث الظلم والتآمر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!