
د. اخلاص قرنق
تمر الذكرى السابعة لفض اعتصام القيادة العامة، وما زال الألم يسكن قلوب السودانيين الذين شاهدوا أحلام جيل كامل تُغتال أمام أعينهم. لم يكن المعتصمون يومها يحملون السلاح، بل كانوا يحملون أملاً كبيراً في بناء دولة الحرية والسلام والعدالة بعد سقوط نظام استبدادي حكم السودان لثلاثة وثلاثين عاماً.
لقد ظن الذين أرادوا إخماد صوت الثورة أن العنف قادر على قتل الفكرة، وأن الرصاص قادر على إسكات مطالب الشعب. لكن ما حدث أن أبناء الوطن هم الذين دفعوا الثمن من دمائهم وأعمارهم ومستقبلهم، بينما بقيت مطالب الحرية حية في وجدان السودانيين.
في هذه الذكرى لا تستحضر أسر الشهداء مشاهد الفقد وحدها، بل تستحضر أيضاً سنوات طويلة من الانتظار بحثاً عن الحقيقة والعدالة. أمهات ما زلن يحملن صور أبنائهن، وآباء ما زالوا يتذكرون أحلام شباب كانوا يستعدون لبناء مستقبل أفضل لأنفسهم ولوطنهم.
ومنذ ذلك اليوم دخل السودان في دوامة من الأزمات السياسية والأمنية المتلاحقة. فبدلاً من الاستجابة الكاملة لمطالب التحول المدني الديمقراطي، استمرت الصراعات على السلطة والنفوذ، وتراجعت فرص التوافق الوطني التي كان يمكن أن تجنب البلاد كثيراً من المآسي.
ويرى كثير من السودانيين أن المؤسسة العسكرية لعبت دوراً محورياً في تعقيد الأزمة السياسية عبر تمسكها بالهيمنة على القرار السياسي ورفضها الانتقال الكامل إلى الحكم المدني، الأمر الذي أدى إلى تعميق حالة الاستقطاب وانسداد الأفق السياسي. كما أن تعثر المبادرات السلمية وتبادل الاتهامات بين أطراف الصراع ساهم في دفع البلاد نحو المواجهة العسكرية التي يعيش السودان آثارها المدمرة اليوم.
لقد دفعت الحرب الحالية ملايين السودانيين إلى النزوح واللجوء، ودمرت البنية التحتية، وأدخلت البلاد في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخها الحديث. وبينما كان الشعب ينتظر حلولاً سياسية توقف نزيف الدم، استمرت لغة السلاح في فرض نفسها على حساب الحوار والتوافق الوطني ان رفض الجيش أي حلول للسلام تنتهي معاناة المواطنيين وتوقف الحرب مؤشر خطير يدل علي تمسك الاخوان المسلمين بزمام الامور داخل الجيش و توجيه قيادات الاخوان العسكرية الي حيث تتوجه شراع مصالحهم الذاتية وحلمهم في العودة الي كراسي السلطة مرة اخري علي جماجم الابرياء ودماء الاطفال والامهات والشباب والشيوخ كيف يستقيم الظل والعود اعوج
إن ذكرى الثالث من يونيو ليست مجرد مناسبة للحزن، بل هي مناسبة للمراجعة والمحاسبة والتأمل. فالشعوب التي لا تواجه أخطاء الماضي بشجاعة تجد نفسها مضطرة إلى دفع ثمنها مرة بعد أخرى.
إلى أسر الشهداء نقول: إن أبناءكم لم يرحلوا من ذاكرة الوطن. سيبقى ذكرهم حاضراً في كل حديث عن الحرية والكرامة والعدالة. وسيبقى السؤال قائماً أمام كل القوى السياسية والعسكرية: متى يتوقف السودانيون عن دفع ثمن الصراع على السلطة؟
لقد حاولوا قتل الثورة، فقتلوا أبناء الوطن.
لكن الأوطان لا تُبنى بالرصاص، ولا تُحكم بالقوة، ولا تستقر إلا بالعدالة والسلام واحترام إرادة شعوبها.
المجد والخلود لشهداء السودان، والشفاء للجرحى، والحرية لكل شعب ما زال يحلم بوطن يسع الجميع.




