
نجم الدين دريسة
ليس من المبالغة القول إن تحالف تأسيس يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم: إما أن يتحول إلى مشروع دولة حقيقي قائم على مؤسسات وقواعد حكم رشيد، أو أن ينزلق تدريجيًا إلى نموذج آخر من نماذج الفشل السياسي التي خبرها السودانيون طويلًا، حيث تتقدّم الشعارات وتتراجع الدولة، وتعلو النوايا الحسنة بينما يتآكل البناء من الداخل.
لقد جاء التحالف في لحظة تاريخية استثنائية، لحظة انهيار شامل للنموذج القديم للدولة السودانية، وتفكك مركزها، وتآكل شرعيتها. وفي مثل هذه اللحظات لا يُمنح الفاعلون السياسيون ترف الوقت ولا هامش الأخطاء المتكررة، لأن كلفة الفشل لا تكون سياسية فحسب، بل وطنية بامتياز.
نقد متراكم من داخل الحرص لا المناكفة
تناولتُ في عدة مقالات سابقة مسار تحالف تأسيس بالنقد والتحليل، مركزًا على اختلالاته البنيوية، ومواطن ضعفه التنظيمي والسياسي. ولم يكن هذا النقد عابرًا ولا انطباعيًا، بل تأسس على قراءة متأنية لمسار التحالف منذ نشأته، وعلى مقارنة واقعية بين ما يُقال في الوثائق، وما يُمارس على الأرض.
وقد أقرّ عدد معتبر من قيادات التحالف، في نقاشات مباشرة وغير مباشرة، بأن هذا النقد لامس جوهر الأزمة، وأن تشخيص الخلل جاء في مكانه الصحيح. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في صحة التشخيص، بل في العجز عن تحويل هذا الاعتراف إلى قرارات إصلاحية ملموسة، وهو ما يجعل النقد يتجاوز كونه رأيًا، ليغدو تحذيرًا سياسيًا واجب الاستماع.
عناصر قوة حقيقية تُهدر بلا إدارة رشيدة
رغم كل ذلك، لا يزال تحالف تأسيس يمتلك عناصر قوة لا يستهان بها، وهو ما يجعل فشله – إن حدث – أكثر فداحة. فالحلف يستند إلى قاعدة اجتماعية واسعة، خاصة في مناطق ظلت مهمشة لعقود، ويستمد جزءًا معتبرًا من شرعيته من هذا الامتداد الواقعي لا من الاعتراف النخبوي.
كذلك يُحسب للتحالف أنه قدّم خطابًا سياسيًا مختلفًا نسبيًا، تجاوز اللغة الرمادية، وتناول جذور الأزمة السودانية المتعلقة بطبيعة الدولة، وتوزيع السلطة، وأزمة الهوية والمواطنة. وقد تُرجم هذا الخطاب في وثائق سياسية لا يمكن إنكار عمقها النظري.
لكن المعضلة الكبرى أن هذه العناصر الإيجابية تُدار بعقل سياسي قاصر عن تحويلها إلى قوة مؤسسية، وهو ما يبدد الرصيد بدل تعظيمه.
وثائق متقدمة ومؤسسات غائبة
لا قيمة لأي وثائق سياسية، مهما بلغت درجة نضجها، إذا لم تسندها مؤسسات قادرة على حملها وإنفاذها. وهذه هي الثغرة الأخطر في مسار تحالف تأسيس. فالتحالف أنتج نصوصًا، لكنه لم ينتج هياكل. صاغ رؤى، لكنه لم يبنِ أدوات.
إن الفجوة بين القول والفعل، بين الخطاب والممارسة، ليست تفصيلًا تنظيميًا، بل عطبًا بنيويًا يعكس غياب الفهم العميق لمعنى التأسيس. فالدولة لا تُبنى بالبيانات، ولا تُدار بالنوايا، بل بالمؤسسات.
مأزق ترتيب الأولويات: حين سبقت السلطة الدولة
من أكثر مظاهر الخلل وضوحًا أن التحالف تعامل مع السلطة بوصفها نقطة بداية، لا بوصفها نتيجة لمسار تأسيسي متكامل. فاندفع نحو الحديث عن حكومات وسلطات تنفيذية قبل بناء الأساس الذي يجعل لهذه السلطات معنى أو شرعية.
هذا المسار المعكوس – وضع العربة أمام الحصان – لا يمكن تبريره بضرورات المرحلة ولا بظروف الحرب. فحتى في أكثر السياقات تعقيدًا، تظل القاعدة الذهبية واحدة: المؤسسات أولًا، ثم السلطات.
أزمة الهياكل وتكريس المركزية الجديدة
غياب الهياكل التنظيمية الفاعلة على المستويات الفدرالية، والإقليمية، والولائية، والمحلية، كشف أن التحالف، من حيث لا يحتسب، يعيد إنتاج مركزية جديدة، وإن تغيّرت شعاراتها.
إن تحالفًا يدّعي تمثيل التنوع السوداني لا يمكن أن يُدار من غرف مغلقة، ولا أن تُختزل قراراته في دائرة ضيقة. فالهياكل ليست زينة تنظيمية، بل جوهر المشروع السياسي، وبدونها يتحول التحالف إلى كيان نخبوي معزول عن قواعده.
سلطة تنفيذية بلا تشريع: وصفة جاهزة للاختلال
النزوع نحو تكريس سلطة تنفيذية دون بناء سلطة تشريعية ورقابية موازية يمثل انحرافًا خطيرًا عن أبسط قواعد الحكم الرشيد. فلا دولة تُدار بإرادة تنفيذية منفردة، ولا انتقال يُكتب له النجاح دون ميزان واضح بين السلطات.
فكيف تُشرّع القوانين؟ ومن يراقب الأداء؟ ومن يحاسب؟ أسئلة بديهية، لكن غياب الإجابة المؤسسية عنها هو ما يجعل المشروع عرضة للانهيار من الداخل
العدالة المؤجلة كقنبلة موقوتة
إهمال بناء سلطة قضائية مستقلة لا يُعد خطأً تقنيًا، بل تهديدًا مباشرًا لأي مشروع تأسيسي. فالعدالة هي الأساس الذي تقوم عليه الثقة، وبدونها تفقد الدولة معناها، وتتحول السلطة إلى أداة قسر لا عقدًا اجتماعيًا.
أي مشروع يتجاوز القضاء أو يؤجله، إنما يراكم أسباب فشله، مهما رفع من شعارات.
موارد مهدورة وارتهان غير مبرر
الحقيقة الصلبة أن مناطق نفوذ تحالف تأسيس غنية بالموارد والمقدرات، وكان يمكن لهذه الموارد أن تشكل قاعدة صلبة لبناء اقتصاد سياسي مستقل. غير أن سوء الإدارة، وغياب الرؤية الاقتصادية، دفعا التحالف نحو التعويل على دعم خارجي مشروط، يقيّد الإرادة ويضعف الاستقلال.
والتجارب لا ترحم: من لا يعتمد على موارده، سيخضع لشروط غيره.
إعادة إنتاج الأجسام الهلامية
أخطر ما يواجه تحالف تأسيس اليوم أنه يعيد إنتاج نموذج الأجسام السياسية الهلامية التي عرفها السودان: كيانات كبيرة في خطابها، هشة في بنيتها، سريعة التفكك عند أول اختبار حقيقي.
وقد بدأت مؤشرات هذا المسار تظهر بوضوح من خلال حالة التململ داخل التحالف، واتساع الفجوة بين القيادة والقواعد، وتراجع الحماسة الأولى.
روشتة الإصلاح: إنقاذ ما يمكن إنقاذه
إن النقد الصارم لا يكتمل دون تقديم بديل. وروشتة الإصلاح تبدأ بخطوات واضحة لا تحتمل التأجيل:
إعادة ترتيب الأولويات على أساس مؤسسي
بناء الهياكل التنظيمية على كل المستويات
إنشاء سلطة تشريعية انتقالية حقيقية
ضبط السلطة التنفيذية برقابة صارمة
تأسيس قضاء مستقل بلا مواربة
توظيف الموارد الذاتية بدل الارتهان للخارج
مأسسة القرار وإنهاء الشخصن
هذه ليست مطالب مثالية، بل شروط بقاء.
بين فرصة الإنقاذ وخطر التلاشي
تحالف تأسيس لا يزال يمتلك فرصة حقيقية لتصحيح مساره، لكن الوقت ليس مفتوحًا، والصبر الشعبي ليس بلا حدود. فإما أن يتحول المشروع إلى كيان مؤسسي يقود التغيير، أو أن يُضاف إلى قائمة التجارب التي بدأت باسم التأسيس وانتهت قبل أن ترى الدولة النور.
الاختيار لا يزال ممكنًا، لكن تأجيل الحسم هو القرار الأخطر.



