
حسن النعمان
على مدى عقود طويلة، تم زرع أفكار في عقول السودانيين جعلتهم يخافون من الديمقراطية أكثر مما يخافون من الاستبداد. قيل لنا إن الأحزاب سبب الفوضى، وإن العسكري هو الضامن للأمن والاستقرار، حتى أصبحت عبارة “العذاب ولا الأحزاب” شعاراً يردده البعض دون أن يتوقفوا عند معناه الحقيقي أو نتائجه الكارثية.
لكن السنوات الماضية جاءت بالجواب القاسي. فقد رأى السودانيون بأعينهم معنى العذاب الحقيقي؛ حربٌ مزقت الوطن، ومدنٌ دمرتها النيران، وملايين النازحين، وأطفالٌ حُرموا من التعليم، وأسرٌ فقدت الأمن والكرامة وسبل العيش. أصبح السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا جنى السودان من حكم البندقية سوى الخراب والانقسام والدموع؟
لا أحد يدعي أن الأحزاب السياسية ملائكة أو أنها خالية من الأخطاء. فقد عانت الحياة السياسية السودانية من كثير من العيوب والصراعات والمصالح الضيقة. لكن هناك فرقاً جوهرياً بين نظام يمكن إصلاحه ومحاسبته وتغييره عبر إرادة الشعب، وبين نظام يفرض نفسه بالقوة ولا يرحل إلا بعد أن يدفع الوطن ثمناً باهظاً من الدماء.
إن الأمم لا تُبنى بالاستعلاء القبلي، ولا بالمصالح الشخصية، ولا بالامتيازات التي تُمنح لفئة على حساب الوطن. بل تُبنى بالعدالة والمواطنة واحترام التنوع والاحتكام إلى إرادة الشعب. وكلما قدمت القبيلة على الوطن، أو المصلحة الخاصة على المصلحة العامة، اقتربت الدولة من التفكك وخسر الجميع، مهما ظنوا أنهم رابحون.
السؤال اليوم ليس من ينتصر في السياسة، بل هل ينتصر السودان نفسه؟ هل يتعلم السودانيون من دروس الماضي المؤلمة؟ هل يدركون أن الوطن أكبر من الأحزاب والعسكر والقبائل والأفراد؟ أم يستمرون في السير خلف الأوهام حتى يفقدوا ما تبقى من وطنهم ويورثوا أبناءهم مستقبلاً أكثر قسوة وضيقاً؟
لقد أثبتت التجارب أن الحرية قد تأتي أحياناً بصخب وخلافات، لكنها تمنح الناس حق الاختيار والتصحيح. أما الاستبداد فيمنح صمتاً مؤقتاً يخفي وراءه الخوف والدمار.
نسأل الله أن يوقظ الضمائر، وأن يفتح البصائر قبل أن تضيع الفرصة الأخيرة. فالأوطان لا تُحفظ بالقوة وحدها، وإنما تُحفظ بالوعي والعدل والمسؤولية الوطنية. وإن الحرام والظلم إذا استوطنا القلوب أعماها عن رؤية الحقيقة، وأفقدا أصحابها القدرة على التمييز بين مصلحة الوطن ومصلحة الذات.
حسن




