
إسماعيل عبد الله
الكتلة الديمقراطية كظهير سياسي للجيش السوداني لابد أن تشهد تصدعا وانقساماً حاداً يضرب بيتها الواهن وهن بيت العنكبوت، وكان لابد أن تختلف بشأن المشاركة في المشاورات الاستكشافية التي بدأت الأربعاء في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا برعاية الآلية الخماسية الدولية، وكان لابد أن تصدر بيانين مختلفين أحدهما يعتذر عن عدم المشاركة والآخر يعلن الحضور والمشاركة، ما يمثل فشلها في أن تكون غطاء سياسياً لجيش هو الآخر فشل عسكرياً في الوفاء بوعوده المتكررة لجمهوره المغيب بأن (يحرر) البلاد حتى آخر نقطة حدودية مع جمهورية افريقيا الوسطى، وبهزالها الذي ظهرت به في أديس أبابا تكون قد أحبطت تطلعات قادة الجيش العسكريين بإخفاقها في لعب دور سياسي يذكر في إدارة المشهد العام، والكتلة الديمقراطية في حقيقتها هي عبارة عن تحالف اضداد، مكوّن من الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا وقوى أخرى عشائرية وجهوية وإخوانية ، ظهرت بعد مؤتمر الموز الذي مولته ورعته بقايا النظام القديم لكي تلعب دورا خبيثاً لعرقلة حكومة الدكتور عبد الله حمدوك وتنقلب عليه، لتكون عقبة كأداء أمام تحقيق اهداف ثورة ديسمبر المجيدة، وظهير مدني للمؤسسة العسكرية في مواجهة الضغوط الدولية.
للأسف بعد اندلاع الحرب ، تحول هذا التحالف إلى أداة سياسية بارزة استخدمها الجيش للدفع برؤيته لإنهاء الأزمة بشروطه النابعة من رؤية الحركة الإسلامية التي ثار الشعب السوداني ضد سلطتها الظالمة، فقبلت لنفسها أن تكون قطعة قماش وخرقة يمسح بها النظام البائد قذارته من أجل العودة للسلطة بالادعاء والزعم بأن له داعم مدني يقف مع توجهاته، لكن الحمد لله قد أكد المشهد المرتبك في أديس أبابا والمؤتمرات الصحفية المتضاربة لمكونات الكتلة، أن هذا الغطاء السياسي واهن وضعيف وصنيعة من توازنات نفعية، ومصيره المحتوم الانقسام والتشظي مع أول اختبار له مع منبر تفاوضي جاد وحقيقي، وبعد كل هذا هل تصدق هذه الكتلة قد قالت عبر لسان مساعد رئيسها بأن المجموعة المشاركة في الاجتماع تُمثل رسميا الكتلة، وقد تلقت إخطارا بهذا الاجتماع من رئاسة التنظيم، فهل تستطيع إلزام قادة الجيش بمخرجات اجتماع أديس أبابا؟، لا اظن ذلك، ولا أظن أن هذه الكتلة مؤمنة بالحوار باعتباره المخرج الوحيد للأزمة، والدليل انقسامها وتناقض مكوناتها وتباين مواقف هذه المكونات، فهي تؤمن بالحرب ولا تؤمن بأن الحوار يمكنه قيادة البلاد إلى بر الأمان، وتصريحات قائد الجيش ونوابه ومساعديه تؤكد هذا.
لقد أحرجت هذه الكتلة التي تدعي الديمقراطية الوسطاء الدوليين والإقليميين الذين يبحثون عن توافقات لتشكيل لجنة تحضيرية وإطلاق حوار سوداني شامل، فوضعتهم أمام وفود منقسمة لا تمثل صوتا واحدا.، وقد أقرّ مساعد رئيس الكتلة بوجود تباين داخل الكتلة حول قضية الحوار، وعاد ليناقض نفسه ويقول بأن هياكل الكتلة موحدة وسوف نصل إلى توافق، في سلسلة من السرد غير المنسجم مع بعضه وهو حال حلفاء العسكر بطبيعة الحال، وقد قال مراقبون: إن انقسام الكتلة الديمقراطية أمام الآلية الخماسية – التي تضم الأمم المتحدة، والاتحاد الإفريقي، والاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد) – قد وجه ضربة موجعة للموقف التفاوضي لمعسكر الجيش. فليجد الوسطاء الدوليون والإقليميون الذين يسعون لتشكيل لجنة تحضيرية وإطلاق حوار سوداني شامل، أنفسهم أمام وفود منقسمة لا سيما وأن المشهد يكذب مزاعم الجيش بامتلاكه أنصار مدنيين متماسكين وقادرين على تقديم حلول سياسية، ويكشف المشهد الأزمة الأساسية لهذه التحالفات الانتهازية القائمة على المحاصصات السلطوية المسنودة بالسلاح. والانقسام سببه الاختلاف الجذري والمنهجي والطموحات الوصولية غير المشروعة بين مكونات الكتلة الديمقراطية؛ فالحركات المسلحة تبحث عن ضمانات إقليمية للحفاظ على كعكتها من السلطة، في الوقت الذي تخشى فيه الفصائل السياسية الأخرى داخل الكتلة من أن يؤدي الأمر إلى عزلها دولياً وضياع وضعها السياسي ما بعد الحرب.
الخلاصة أن الكتلة قد فشلت تماماً في أن تكون حاضن سياسي للعسكر، وثبت أنها مجرد أدوات تكتيكية مرحلية تعصف بها رياح الواقع الماثل، لقد انفضحت أمام المجتمعين الدولي والإقليمي في هذا الظرف التاريخي المفصلي من عمر الدولة السودانية. واخفقت في أن تنافس الكيانات المدنية الأخرى، فإن تشرذمها هذا لا يجعل القوى الإقليمية والدولية حريصة على شروطها ويتوقع أن يتم تجاوز أطروحاتها، وأن تتعزز قناعات الجماهير السودانية بأن الكتلة الديمقراطية ما هي الا واجهة سياسية مأزومة تسعى لتمكين العسكر وليس لديها أدنى مسعى لعملية انتقالية ديمقراطية حقيقية ولا تكترث لضرورة استقرار وسلام السودان. لقد كشفت مشاورات أديس أبابا خطل التحالفات السياسية المساندة للمؤسسات العسكرية؛ وافتقارها للرؤية الوطنية الصادقة وخسرانها المبين بقبولها أن تكون غطاء مدني لتمرير الاجندات العسكرية الخبيثة، إن هذا التشظي يسقط الزعم المدني الذي تدعيه هذه الكتلة، ويحث الوسطاء على ضرورة غربلة هذا الحراك وتجاوز الكيانات المزيفة تداركاً لتشظي البلاد وانقسامها.




