
مهدي عبدالله حامد
لئن كان التاريخ السياسي للسودان يمتلئ بصفحات الخداع، فإن المشهد الراهن يمثل قمة التزييف النخبوي الذي ظلت تمارسه مركزية التحكم التاريخي، إذ إن الوثيقة الأخيرة التي وقع عليها تحالف “صمود” مع ما يسمى بالكتلة الديمقراطية(الأرادلة والموزاب) تفتح الباب على مصراعيه أمام عودة الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني إلى دائرة الحوار والسلطة، مما يشكل صدمة عنيفة للوجدان الثوري، غير أن هذا التطور الخطير لم يكن وليد الصدفة، لعلّه النتيجة الطبيعية لتحالفات الغرف المغلقة التي هندستها نخبة المركز الإقصائية، فهذه النخبة تسعى جاهدة للحفاظ على مكتسباتها التاريخية وعرقلة قطار التغيير الحقيقي والتأسيس الجاري الآن، مما يثبت أن صراعها لم يكن يومًا من أجل التحول الديمقراطي الشامل.
فهذا الاصطفاف النخبوي المركزي يتبدى كإجراء بائس يرمي إلى استدامة هياكل دولة 1956م، تلك الدولة التي بنيت على أنقاض حقوق الأقاليم والشعوب السُّودانية ومارست التهميش الممنهج، بيد أن الوعي الجمعي اليوم تجاوز هذه المناورات المكشوفة التي تهدف إلى إعادة إنتاج النظام البائد بثوب جديد جراء محاولة ترميم جدران دولة الامتيازات الآيلة للسقوط، وهو الأمر الذي يوضح مدى الرعب الذي يعتري هذه المجموعات من فكرة بناء سودان جديد يتساوى فيه الجميع دون تمييز أو محاباة.
خفايا الغرف المغلقة وتواصل بعض رموز صمود مع الكيزان
شهدت العاصمة الإثيوبية أديس أبابا تحركات مريبة فضحت المستور وأخرجت ما كان يدور في الخفاء إلى العلن، حيث كشفت تسريبات موثوقة صادرة عن دوائر قريبة من تحالف “تأسيس” عن تواصل سري مكثف جرى بين رموز بارزة في “صمود” مع جهات محسوبة على سلطة الأمر الواقع في بورتسودان، فهذه الاتصالات السرية أظهرت النوايا الحقيقية لنخبة المركز التي طالما برعت في إظهار الزهد والوطنية زيفًا وتضليلًا، فلا ريب أن هذه اللقاءات كانت تهدف إلى ترتيب أوراق تقاسم السلطة بعيدًا عن أعين الجماهير الثائرة وصياغة مشهد سياسي يضمن بقاء الوجوه القديمة في صدارة المشهد.
ولعل هذه التسريبات وضعت تحالف “صمود” في مأزق أخلاقي وسياسي بالغ التعقيد أمام الشارع السوداني الذي يراقب الأوضاع بدقة متناهية، على أمل التغطية على هذه الفضيحة، غير أن الحقائق التي تكشفت أكدت أن النخبة المركزية تمارس أسلوبها المعهود في عقد الصفقات تحت الطاولة لحماية مصالحها الاقتصادية والسياسية الضيقة.
تبادل الأدوار التاريخي ولعبة الكراسي النخبوية
تتجلى الحكمة التاريخية التي تقول إن النخب السائدة لا تتخلى عن امتيازاتها ولكن تغير قبعاتها، وهذا ما يحدث اليوم في المشهد السوداني بوضوح تام، وقد تعودنا من نخبة المركز حول كيفية إجادة لعبة تبادل الأدوار وتغيير المواقع فيما بينها بناءً على مقتضيات المرحلة وتوازنات القوة سيما إبان الفترات الديمقراطية يرتدون ثوب الحداثة وحقوق الإنسان، وما لبثوا أن يتحالفوا مع الشمولية والديكتاتورية بمجرد شعورهم بالخطر على امتيازاتهم التاريخية، فإن هذا السلوك الانتهازي يعكس غياب المشروع الوطني الحقيقي واستبداله بمشروع الحفاظ على كراسي الحكم.
وكما إن التقارب السري الذي انقشع الغبار عنه في لحظة الحقيقة في أديس أبابا يبرهن على أن الخلافات بين مكونات المركز هي خلافات مصلحية على توزيع الحصص وليست مبدئية حول هيكلة الدولة وعندما تشعر هذه النخب بأن رياح التأسيس الجديد قد تقتلع جذور امتيازاتها، فها هي سارعت إلى تناسي خلافاتها الجوفاء والارتماء في أحضان القوى الظلامية، فلعل هذا التموقف الرسمي والعلني الحالي يمثل الحلقة الأحدث في مسلسل التآمر المستمر على تطلعات السودانيين في الحرية والعدالة والعيش الكريم.
“صمود” بوصفها الوجه الناعم لنخبة المركز
لا يمكن قراءة تحالف “صمود” بمعزل عن كونه أداة وظيفية متطورة صممتها نخبة المركز لامتصاص الغضب الجماهيري والالتفاف على القضايا المصيرية للشعوب السودانية، حيث يتقن هذا التحالف فنون تغبيش الحقائق وتزييف الواقع القائم وتضليل الجماهير عبر حشد شعارات فضفاضة وجذابة وخالية من المضامين الحقيقية، فإنهم يظهرون علنا في ثوب الرصانة الفكرية والبحث الدؤوب عن السلام الإنساني، بينما يمارسون خلف الكواليس مناورات سياسية خبيثة لحجز مقاعدهم المتقدمة في كعكة السلطة القادمة.
حيث تحاول رؤية “صمود” تصميم عملية سياسية معطوبة تقوم على إحداث تعديلات فوقية طفيفة وتسويات هزيلة لتقاسم السلطة والثروة بين ذات المجموعات المهيمنة تاريخيا و هذا الأسلوب يهدف بالأساس إلى قطع الطريق أمام أي تغيير جذري يطال بنية الدولة والمجتمع، بيد أن التمسك بالحلول الفوقية يعكس عجز هذه النخبة وفزعها من إشراك القواعد الشعبية العريضة في اتخاذ القرار وتحديد مصير البلاد.
مشروع “تأسيس” والمواجهة الحتمية من أجل التغيير الجذرى
في المقابل تماما، يقف تحالف “تأسيس” برؤية مغايرة وجذرية تسعى إلى تأسيس السودان من جديد على أسس العدالة والمواطنة بلا تمييز وترتكز هذه الرؤية على ضرورة هدم المنظومة القديمة الفاسدة التي تسببت في إنتاج الأزمات والحروب الأهلية الممتدة والانهيار الاقتصادي، حيث يتضمن مشروع التأسيس الجديد تكوين جيش وطني واحد ومهني جديد، إلى جانب منظومة أمنية مخابراتية واستخباراتية جديدة، وجهاز شرطة مدني جديد، وبناء كافة هذه المؤسسات السيادية من الصفر لضمان ولائها التام للشعب والدستور والمشروع الوطني الشامل.
وهنا تبرز المفارقات الجوهرية والاختلافات العميقة بين مشروعي وهما “براغماتية المساومة التاريخية” مقابل مشروع “التأسيس الجذري” لدولة الحقوق والواجبات، إذ يرى تحالف “تأسيس” أن ترميم المؤسسات الحالية هو تمديد للأزمة ومشاركة في الجريمة ضد الشعب السوداني، شريطة أن تبدأ الحلول بإنهاء هيمنة المجموعات الفاسدة واقتلاع التمكين من جذوره.
ولئن كان مشروع التأسيس يتطلب جهدا وتضحيات جسام، فإنه يبقى المسار الوحيد القادر على إخراج البلاد من النفق المظلم وإنهاء الدائرة الخبيثة للانقلابات والتسويات الفاشلة.
وثيقة الاستسلام والتراجع عن شعارات الثورة الشعبية
إن توقيع تحالف “صمود” مع ما يسمى بالكتلة الديمقراطية على وثيقة لا ترفض مشاركة الحركة الإسلامية الإرهابية وحزب المؤتمر الوطني في الحوار والسلطة يمثل طعنة غادرة في ظهر الثورة السودانية، فهذا الإجراء الانتكاسي يؤكد تماما مصداقية التسريبات والأنباء التي تحدثت عن العلاقات السرية والتنسيق المسبق مع بورتسودان، وهو التراجع الصريح عن شعارات ديسمبر المجيدة ودعاوى تفكيك نظام التمكين مما يؤكد مدى استرخاص هذه النخبة لدماء الشهداء وتضحيات الملايين من النازحين والمهجرين والمكتوين بنيران الحرب والدمار الشامل.
والأبعد من هذا، تتعامل هذه المجموعات مع دماء السودانيين الأبرياء وخراب مؤسسات الدولة وكأنها مجرد “سوء تفاهم” بسيط يمكن تجاوزه وإغلاق ملفه بجرة قلم من نخبة المركز المتعالية، فهذا الاستخفاف المهين بكرامة الشعب يؤكد أن هذه القيادات تعيش في أبراج عاجية بعيدة كل البعد عن معاناة المواطن اليومية، فلعلهم يتوهمون أن الجماهير ستغفر لهم هذه السقطة التاريخية التي تمنح صك الغفران للقتلة والمجرمين وتشرعن عودتهم للمشهد السياسي.
موقف “تأسيس” الصامد في وجه مناورات التسوية الهشة
في سياق ذي صلة، تحدثت الأنباء والتقارير الواردة عن موقف حازم ومبدئي اتخذته قيادة تحالف “تأسيس” تمثل في الرفض والاعتذار عن مقابلة أو لقاء جماعة “صمود” وجاء هذا الموقف القوي لذات السبب المتعلق بثبوت تواصل جهات وشخصيات من “صمود” مع سلطة بورتسودان بشكل سري والعمل لتحقيق مصالحها النفعية، فهذا الرفض يوضح بجلاء التزام “تأسيس” بالخط المبدئي وعدم قبولها الدخول في تحالفات مشبوهة تبيع تطلعات الشعب وتساوم على قضاياه المصيرية من أجل مكاسب سياسية زائلة
وهذا الموقف الصارم من “تأسيس” يكشف زيف الادعاءات التي تطلقها دوائر “صمود” حول سعيها لتوحيد القوى المدنية وبناء جبهة عريضة ضد الحرب.
لقد اتضح أن توحيد القوى المدنية لديهم يعني خلط الأوراق وإدخال القوى الشمولية والظلامية ضمن معادلة الحكم المستقبلي، ولكن إن عزل القوى الانتهازية وفضح ممارساتها بات أمرا ضروريا لتنقية الأجواء السياسية وتعبئة الطاقات الشعبية نحو مشروع التغيير البنيوي الكامل.
تعرية أدوات الضغط والابتزاز السياسي النخبوي
تتجلى سخرية القدر المرة في أن النخبة المركزية التي صدّعت الرؤوس طويلاً بحديث التغيير والهيكلة والتحول الديمقراطي هي نفسها التي تبحث اليوم بلهفة عن طوق نجاة يعيد إنتاج دولة الحد الأدنى القديمة، لقد كشفت الأيام أن شعارات الهيكلة والثورة والتغيير الجذري التي رفعتها نخبة صمود لم تكن سوى أدوات للضغط والمناورة والابتزاز السياسي ضد خصومهم، وليست مشروعا وطنيا حقيقيا نابعا من الإيمان بحقوق وتطلعات الشعب السوداني، لأن صفوة صمود مدفوعين برغبة دفينة للحصول على كراسي السلطة، يبدو أنهم مستعدون لمصافحة من أشعلوا الحروب الأهلية ودمروا البنى التحتية ومزقوا النسيج الاجتماعي.
إن هذه السلوكيات والمواقف المتناقضة تعري الطبيعة الطفيلية للنخبة المركزية التي تعتاش على الأزمات وتقتات من معاناة وتشريد المواطنين، وكما إن غياب الرؤية الوطنية الجامعة وحضور الأنانية الحزبية والشخصية الضيقة هما ما قادا البلاد إلى هذه الهاوية السحيقة.
وهنا حري بنا القول، إن الوعي الشعبي المتنامي كفيل بإحباط هذه المؤامرات المكشوفة وكنس هذه النخب التي أثبتت التجربة التاريخية أنها عاجزة تماما عن قيادة مشروع النهضة والتحرر الوطني والاجتماعي.
اصطفاف الفشل ومحاولة إحياء عظام النظام الميت
لئن كان الاصطفاف النخبوي الحالي يبدو مخيفا في ظاهره ومستندا إلى قوى إقليمية ودولية، فإنه في حقيقته محاولة يائسة لترميم جدران آيلة للسقوط ولا تمتلك أي مقومات للاستمرار والحياة السياسية، وإن نظام المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية قد شبع موتا سياسيا وأخلاقيا في وجدان الشعب السوداني، ومحاولة إحيائه أو إشراكه في الحوار والسلطة مجددا هي مراهنة على جواد خاسر وميت، وإن قوى التغيير الحقيقي التي تمثل نبض الشارع السوداني لن تسمح بتمرير هذه الصفقة الكارثية التي تعيد إنتاج الاستبداد والفساد والحروب الدينية والعرقية.
يتوجب على الجماهير وقواها الحية رص الصفوف ورفع وتيرة التعبئة لإسقاط هذه الوثيقة ومخرجاتها المسمومة، وإن معركة التأسيس الجديد هي معركة وجودية تهم كل حادب على مصلحة هذا الوطن واستقراره ووحدته المستندة إلى التنوع والعدالة والاعتراف المتبادل، وإن محاولات النخبة لتزييف إرادة الشعب وتمرير أجندة الهيمنة عبر بوابات “صمود” والكتلة الديمقراطية ستتحطم لا محالة على صخرة الوعي والجسارة الثورية التي تميز بها الشعب السوداني طوال مسيرته النضالية الظافرة.
نحو التأسيس الجديد وبناء دولة العدالة والمواطنة
إن توقيع تحالف “صمود” على وثيقة التطبيع والشرعنة مع الكتلة الديمقراطية واجهة القوى الإسلاموية الإرهابية وحزب المؤتمر الوطني يمثل الفاصل الحقيقي والنهائي بين معسكر المساومة الانتهازية ومعسكر التأسيس الجذري الشجاع، لقد تمايزت الصفوف بوضوح وسقطت الأقنعة الزائفة التي تخفت وراءها نخبة المركز لعقود طويلة من الزمان، وإن الطريق نحو المستقبل يمر حتما عبر تفكيك دولة الامتيازات وهدم منظومتها القديمة وبناء المؤسسات السيادية والمدنية من الصفر، لتكون معبرة بحق عن تطلعات وأشواق كافة أقاليم وشعوب السودان في السلام المستدام والحرية الكاملة والعدالة الاجتماعية الشاملة التي لا تستثني أحدا.




