
دكتور دقاش حسب الله دقاش
ليس في قاموس المرحلة الراهنة ما يُسمى بإعادة بناء الدولة السودانية، لأن هذه العبارة تحمل في جوهرها اعترافاً ضمنياً بوجود كيان دولة قائم يستحق الترميم والتجديد، وهذا التصور يتناقض وبوضوح تام مع حقيقة التجربة السودانية منذ لحظة الاستقلال وحتى يومنا هذا. فالسودان لم يشهد طوال سبعة عقود تكويناً لدولة دستورية بالمعنى العلمي المتفق عليه في النظرية السياسية والقانون الدولي العام والفقه الدستوري المعاصر. والدولة التي نتحدث عنها ليست مجرد سلطة تحكم، أو مجموعة مؤسسات تدير الشأن العام، بل هي عقد اجتماعي حديث ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ويصون الحريات، ويوزع السلطة توزيعاً عادلاً، ويحكم الموارد وفق مبادئ الشفافية والمساءلة.
ومن هذا المنطلق الجوهري، فإن المعركة التي خاضها السودانيون منذ أغسطس 1956وحتى هذه اللحظة لم تكن في جوهرها معركة ترميم أو إصلاح لواقع قائم، بل كانت ولا تزال معركة تأسيس وبناء جديد لكيان سياسي مدني دستوري لم ير النور بعد. إنها معركة الجمهورية الأولى في السودان، تلك الجمهورية التي تقوم على أرضية مغايرة تماماً لكل ما سبقها من تجارب، جمهورية لا تستند إلى إرث الغلبة والمركزية، بل إلى العقد والقانون والمواطنة المتساوية.
إن التأسيس المنشود لا يمكن أن يتحقق بخطاب الإحياء ولا بشعارات الترميم، لأن الترميم يفترض وجود أصل يمكن إعادته إلى حالته الأولى، بينما الواقع يقول إنه لا يوجد أساس أصلاً يمكن البناء عليه. فكل المحاولات السابقة منذ الاستقلال كانت عبارة عن ترقيع لهيكل مهترئ، قام على تمركز السلطة في العاصمة، وعلى غياب العقد الاجتماعي الحقيقي الذي يربط أقاليم السودان المتباعدة برباط طوعي، وعلى سيادة منطق الغلبة العسكرية والقبلية على منطق القانون والمؤسسية. ولذلك ظل السودان يدور في حلقة مفرغة من الانقلابات والحروب الأهلية والانهيارات الاقتصادية، لأن المشكلة لم تكن في الأشخاص أو في الحكومات، بل في الأساس الذي قامت عليه الدولة ذاتها.
لذا فإن الخروج من هذه الدائرة المغلقة يتطلب الشجاعة الفكرية للانطلاق من نقطة الصفر عبر مشروع تأسيسي جديد يقوم على مثلث متكامل لا يقبل التجزئة، الركن الأول منه هو البناء فوق الدستوري، والمتمثل في إعلان دستوري مستقل بذاته يسبق وضع الدستور الدائم، ويكون بمثابة العقد الاجتماعي الحديث رباعي المكونات. هذا الإعلان لا يهدف إلى إدارة المرحلة الانتقالية فحسب، بل يحدد المبادئ الكبرى التي تقوم عليها الدولة الجديدة، ويجيب على أسئلة الهوية الجامعة، وطبيعة نظام الحكم، وآليات توزيع السلطة والثروة، ومسار الانتقال الديمقراطي، قبل الدخول في تفاصيل النصوص الدستورية الدائمة. فلا معنى لدستور دائم إذا لم يسبقه توافق وطني عريض على المبادئ التي سيقوم عليها ذلكم الدستور.
أما الركن الثاني فهو البناء الدستوري، ويتمثل في صياغة دستور دائم للبلاد بإرادة شعبية حرة ونزيهة، يضمن الحقوق والحريات الأساسية لكل المواطنين دون تمييز، ويضبط العلاقة بين مكونات الدولة المتنوعة، ويحول دون عودة الاستبداد أو تغول سلطة على أخرى. وهذا الدستور يجب أن يكون نتاج حوار وطني شامل لا يستثني أحداً، وأن يعكس تنوع السودان الثقافي والعرقي والجغرافي، وأن يرسخ لمبدأ المواطنة كأساس للحقوق والواجبات.
والركن الثالث في هذا المثلث التأسيسي هو منظومة الحريات المدنية والفيدرالية ثنائية البنية ومبدأ الفصل الحقيقي بين السلطات. وهنا يجب تجاوز الفهم التقليدي الضيق للفصل بين السلطات الثلاث، إلى فهم أوسع وأكثر ملاءمة لتعقيدات الدولة الحديثة، يشمل خمس سلطات متوازنة ومستقلة. السلطة السيادية التي تحفظ وحدة الدولة والسيادة الوطنية وترسم السياسات الكبرى، والسلطة التشريعية التي تمثل الإرادة الشعبية وتشرع القوانين وتراقب الأداء، والسلطة القضائية التي تحمي العدالة وتفصل في المنازعات دون خوف أو محاباة، والسلطة التنفيذية التي تدير شؤون الحكم اليومية وفق القانون، والسلطة الاقتصادية التي يمثلها البنك المركزي كحارس مستقل للاستقرار النقدي والمالي، بعيداً عن هيمنة السلطة التنفيذية أو الإملاءات السياسية.
الخلاصة التي لا تقبل اللبس أن معركتنا اليوم ليست معركة إعادة بناء، لأن البناء يحتاج إلى أصل موجود يمكن ترميمه، بل معركتنا هي معركة تأسيس دولة لم توجد من قبل. دولة مدنية دستورية حديثة تقوم على العدل والقانون واللامركزية والشراكة الحقيقية في السلطة والثروة، دولة تؤمن بأن السودان للسودانيين جميعاً، وأن الموارد التي حبا الله بها هذا البلد يجب أن تتحول إلى خبز ودواء وتعليم وصحة لكل مواطن، لا إلى وقود للصراعات والانقسامات. وهذا هو الطريق الوحيد للخروج من دائرة الفشل المتكرر، نحو سودان جديد يليق بتضحيات شعبه، ويستحق الدماء التي أريقت على مدار عقود من أجل الحرية والكرامة.
الموافق السبت 6 يونيو 2026م




