
نجم الدين دريسة
من جديد يخرج عبد الفتاح البرهان متحدثاً عن القضاء على قوات الدعم السريع واستعادة السيطرة على كامل التراب السوداني، وكأن الحرب لم تستمر كل هذه السنوات، وكأن الوقائع التي تشكلت على الأرض لم تفرض حقائق جديدة، وكأن السودان لم يدفع ثمناً باهظاً من دماء أبنائه واستقراره ووحدته ومستقبله.
مثل هذه التصريحات لم تعد تثير الدهشة بقدر ما تثير التساؤل حول مدى قدرة قيادة بورتسودان على قراءة الواقع كما هو، لا كما تتمنى أن يكون. فالسياسة لا تُدار بالأماني، والحروب لا تُحسم بالخطب، والدول لا تُبنى بتكرار الشعارات نفسها بينما تتغير موازين القوى والحقائق على الأرض كل يوم.
لقد أصبحت الحرب السودانية أكبر من مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين. إنها صراع حول شكل الدولة ومستقبلها، وحول سؤال ظل معلقاً منذ الاستقلال: من يحكم السودان؟ وكيف يُحكم السودان؟ ولصالح من تُدار الدولة السودانية؟
هذه الأسئلة لم يصنعها الدعم السريع، ولم تنشأ في الخامس عشر من أبريل، وإنما هي حصيلة عقود طويلة من اختلال ميزان السلطة والثروة، ومن احتكار القرار الوطني بواسطة نخبة مركزية ظلت تنظر إلى أجزاء واسعة من السودان باعتبارها هوامش تابعة لا شركاء متساوين في الوطن.
ولهذا فإن الحديث عن إنهاء الأزمة عبر القضاء على الدعم السريع لا يبدو طرحاً واقعياً، لأن الأزمة نفسها أعمق بكثير من وجود أي قوة عسكرية أو سياسية بعينها.
إن قوات الدعم السريع اليوم ليست مجرد تشكيل عسكري كما يحاول خصومها تصويرها. فسواء اتفق الناس معها أو اختلفوا حولها، فقد أصبحت جزءاً أساسياً من المعادلة السياسية والاجتماعية والعسكرية التي فرضتها الحرب. كما أنها أصبحت جزءاً من مشروع سياسي أوسع تتبناه قوى عديدة داخل تحالف السودان التأسيسي، يقوم على إعادة بناء الدولة السودانية على أسس جديدة تتجاوز إرث المركزية والإقصاء والهيمنة التاريخية.
ولهذا فإن الحديث عن إزاحة هذا الواقع بالقوة العسكرية يشبه محاولة إنكار وجود الشمس في وضح النهار.
لقد خاض الجيش ، بمسمياته المختلفة وعقائده المتعاقبة، حروباً طويلة منذ فجر الاستقلال. حارب في جنوب السودان لعقود، وخاض معارك ممتدة في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، وأنفق من موارد البلاد وأعمار أهلها ما لا يحصى. ومع ذلك لم تنته أي من تلك الحروب بحسم عسكري كامل، بل انتهت كلها تقريباً إلى موائد التفاوض والاتفاقات السياسية.
فلماذا يريد البرهان اليوم إقناع السودانيين بأن ما فشل فيه الجيش لعشرات السنين يمكن أن ينجح فيه الآن؟
إن المشكلة الأساسية ليست في نقص القوة العسكرية، بل في طبيعة الأزمة نفسها. فالأزمات المرتبطة بالهوية والعدالة والمشاركة السياسية والتنمية غير المتوازنة لا تُحل بالدبابات والطائرات، وإنما تُحل بإعادة صياغة العلاقة بين الدولة ومواطنيها.
لقد أثبتت الحرب الحالية أن السودان القديم وصل إلى نهاياته التاريخية. انتهت صلاحية الدولة التي تحتكرها فئة محدودة باسم الوطنية، وتوزع الحقوق والفرص وفق معايير القرب من المركز لا وفق معايير المواطنة.
ولهذا فإن ملايين السودانيين الذين ظلوا لعقود خارج دائرة السلطة الفعلية ينظرون اليوم إلى مشروع إعادة التأسيس باعتباره فرصة تاريخية لمعالجة جذور الأزمة السودانية، لا مجرد تسوية سياسية عابرة.
أما الخطاب الذي يقدمه البرهان بين الحين والآخر، فهو خطاب يبدو منفصلاً عن واقع السودانيين الحقيقي. فبينما يعيش الملايين أوضاعاً إنسانية مأساوية في معسكرات النزوح ومنافي اللجوء، وبينما تكافح الأسر من أجل الغذاء والدواء والتعليم والأمن، لا تزال قيادة الحرب تتحدث عن الحسم القادم والمعركة الفاصلة والانتصار الوشيك.
لكن السؤال الذي يطرحه المواطن البسيط اليوم ليس: من سينتصر عسكرياً؟
السؤال الحقيقي هو: متى تتوقف هذه الحرب؟
ومتى يعود الناس إلى بيوتهم؟
ومتى يعود الأطفال إلى مدارسهم؟
ومتى تستعيد المدن والمشافي والأسواق حياتها الطبيعية؟
هذه هي الأسئلة التي تشغل السودانيين، لا البيانات العسكرية ولا الوعود المتكررة التي تتبدد مع كل شهر جديد من عمر الحرب.
إن أخطر ما في خطاب الحسم العسكري أنه لا يقدم أي تصور لليوم التالي للحرب. فهو يفترض أن السودان يمكن أن يعود ببساطة إلى ما كان عليه قبل اندلاعها، وكأن الأزمة التي انفجرت في أبريل 2023 لم تكن نتيجة تراكمات سياسية وتاريخية استمرت لعقود.
لكن الواقع يقول غير ذلك.
فالبلاد تغيرت.
والخريطة السياسية تغيرت.
والوعي الشعبي تغير.
وملايين السودانيين أصبحوا أكثر إصراراً على المطالبة بدولة جديدة تعبر عنهم جميعاً، لا دولة تعبر عن نخبة واحدة أو مركز واحد أو رؤية واحدة للسودان.
ولهذا فإن الرهان على الحسم العسكري لا يبدو اليوم سوى محاولة لتأجيل مواجهة الحقيقة.
والحقيقة هي أن السودان بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد، وإلى مشروع سياسي جديد، وإلى دولة تقوم على المواطنة المتساوية والعدالة وتقاسم السلطة والثروة واحترام التنوع الثقافي والإثني والديني الذي يشكل جوهر الشخصية السودانية.
أما الاستمرار في إدارة البلاد بعقلية الحرب، فلن ينتج سوى مزيد من الانقسام والاستنزاف.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن القوة العسكرية وحدها لا تستطيع إنتاج الشرعية، كما أثبتت أن الشعوب لا تُهزم بالقوة عندما تتحول مطالبها إلى قضية سياسية وتاريخية.
ومن هنا فإن مستقبل السودان لن تحدده بيانات الحشود العسكرية ولا خطابات التعبئة، وإنما ستحدده قدرة السودانيين على بناء دولة جديدة تتسع للجميع، وتطوي صفحة الإقصاء والهيمنة التي ظلت وقوداً للأزمات المتعاقبة.
أما أوهام الحسم العسكري، فقد استهلكتها الحرب حتى آخر رمق، ولم يعد أمام السودان سوى طريق واحد: طريق السلام العادل، والتسوية التاريخية، وإعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة تليق بتضحيات شعبه وآمال أجياله القادمة.




