
جمعة حراز يكتب
في لحظة فارقة من تاريخ السودان، ومع قرع جرس بداية امتحانات الشهادة السودانية، لم يكن المشهد مجرد انطلاقة لامتحانات دراسية، بل كان إعلاناً عن ميلاد مرحلة جديدة، وانتصاراً للإرادة على التحديات، وللأمل على سنوات الحرمان والمعاناة.
لقد أشرق فجر الإخلاص من جديد، حاملاً معه بشائر التحول التاريخي الذي أعاد للطلاب حقهم في التعليم، وأثبت أن الشعوب الحية قادرة على صناعة مستقبلها مهما تعاظمت العقبات. كان صوت الجرس هذه المرة مختلفاً؛ إذ حمل في صداه رسائل الصمود والتحدي والإصرار على المضي نحو الغد الأفضل.
وفي مشهد اختلطت فيه دموع الفرح بعظمة المناسبة، ذرفت بنات جميلات دموعاً صادقة وهم يلتقين بالقائد الذي وقف داعماً ومسانداً لقضيتهم التعليمية. لم تكن تلك الدموع تعبيراً عن فرحة عابرة، بل كانت شهادة حية على عمق العلاقة بين القيادة والجيل الصاعد، وعلى حجم الآمال التي يحملها الشباب لمستقبل أكثر عدالة وإنصافاً.
لقد أكدت تلك اللحظات أن الجيل الواعد يدرك جيداً من يقف إلى جانبه في أوقات المحن، وأن الحب الحقيقي يُبنى بالمواقف لا بالشعارات. فكانت دموع الطلاب أبلغ من الكلمات، ورسائلهم أعمق من الخطب، وهي تعبر عن تقديرهم لمن جعل التعليم أولوية وطنية لا تقبل التأجيل.
اليوم لم يكن مجرد يوم امتحان؛ بل يوم كسر القيود الذهنية والسياسية التي ظلت تحصر الفرص في نطاق ضيق لعقود طويلة. إنه يوم تحطمت فيه أسوار الاحتكار التاريخي للنخب التقليدية، وارتفع فيه صوت الهامش معلناً حضوره بقوة في صناعة المستقبل الوطني.
إن انعقاد امتحانات الشهادة السودانية في هذه الظروف الاستثنائية يمثل انتصاراً للمشروع الوطني القائم على العدالة والمشاركة وتكافؤ الفرص، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن المعرفة ليست امتيازاً لفئة دون أخرى، وأن أبواب المستقبل يجب أن تظل مفتوحة أمام جميع أبناء السودان بلا تمييز.
لقد انتصر التعليم لأنه انتصرت الإرادة، وانتصر الطلاب لأنهم رفضوا الاستسلام، وانتصرت الأحلام لأنها وجدت من يؤمن بها ويحميها. وسيظل هذا اليوم محفوراً في ذاكرة الأجيال باعتباره يوماً استعاد فيه الوطن إحدى أهم معارك البناء والتنمية، وأثبت أن الأمم لا تنهض إلا بالعلم، ولا تنتصر إلا بأبنائها.
إنها ليست بداية امتحانات فحسب، بل بداية عهد جديد يكتب فيه أبناء السودان فصول مستقبلهم بأقلام العلم، وإرادة التحدي، وعزيمة لا تعرف الانكسار.




