
نبض قلم
عادل تاج الدين جار النبي
لا يمكن فهم الاتفاق الثلاثي الخاص بتأمين الحقول النفطية، وفي مقدمتها حقل هجليج، بمعزل عن المشهد الكلي للحرب المدمّرة التي تعصف بالسودان وتلقي بظلالها الثقيلة على الإقليم بأكمله. فالخطوة، في جوهرها، لا تعكس فقط ترتيبات فنية لحماية منشآت اقتصادية، بل تكشف تحوّل الصراع من ساحات القتال المباشر إلى قلب الاقتصاد، حيث بات النفط أداة ضغط ومساومة، تتقدّم على مفاهيم السيادة والشرعية الوطنية.
جاء هذا الاتفاق في سياق فراغ سياسي وأمني واضح، وفي ظل عجز أطراف الصراع السوداني عن حماية أحد أهم الموارد الاستراتيجية في البلاد. وهو ما يبرز تغليب منطق الضرورة الاقتصادية على مفهوم الدولة ذات السيادة الكاملة. فجنوب السودان، الذي يعتمد بشكل شبه كلي على عائدات النفط، تحرّك بدافع حماية شريان حياته الاقتصادي، حتى وإن تطلّب الأمر ترتيبات عابرة للحدود، الأمر الذي يعكس هشاشة الواقع الإقليمي عندما تنهار الدولة المركزية.
سياسيًا، قد يُسوّق الاتفاق باعتباره حلًا عمليًا لتفادي انهيار قطاع حيوي، ومنع تفاقم الخسائر الاقتصادية، غير أنه في الوقت ذاته يفتح الباب واسعًا أمام إخضاع الموارد الوطنية لتفاهمات إقليمية مؤقتة، لا تحكمها رؤية استراتيجية طويلة الأمد، بقدر ما تحكمها حسابات اللحظة. كما يثير الاتفاق أسئلة مقلقة حول مستقبل السيادة على مناطق الإنتاج، وحدود الأدوار الخارجية، ومن يملك حق القرار في إدارة ثروات البلاد في ظل غياب سلطة وطنية موحدة.
لكن الأخطر من كل ذلك أن الجهد السياسي والأمني المبذول لتأمين النفط لا يقابله التزام جاد وموازٍ بوقف الحرب التي حصدت أرواح الآلاف، وشرّدت الملايين، ودمّرت المدن والقرى، ومزّقت النسيج الاجتماعي. فلا معنى لحماية حقل نفطي في وطن ينزف، ولا قيمة لأي مورد اقتصادي إذا كان الإنسان نفسه مهددًا في حياته وكرامته ومستقبله.
إن اختزال الأزمة السودانية في معادلة النفط والأمن الاقتصادي يُغفل جوهر المأساة. فالحرب لا تدمّر الحاضر فحسب، بل تصادر المستقبل، وتجعل من كل اتفاق اقتصادي مجرد مسكن مؤقت في جسد منهك. الأولوية القصوى، التي لا تقبل التأجيل أو المساومة، هي الوقف الفوري للحرب، وحماية المدنيين، وفتح مسار سياسي جاد وشامل يعالج جذور الأزمة ويعيد الاعتبار لقيمة الإنسان.
فالسلام الذي يحفظ الإنسان أولًا هو وحده القادر على حماية الوطن وثرواته. أما استمرار الحرب، فلن يُبقي لا بشرًا، ولا دولة، ولا نفطًا.
الأحد 14 ديسمبر 2025
دالاس – تكساس




