
نجم الدين دريسة
حين ينتصر التعليم على الحرب يبدأ الوطن كتابة تاريخه من جديد.


لم يكن الخطاب الذي ألقاه رئيس وزراء حكومة السلام الأستاذ محمد حسن التعايشي بمناسبة انطلاق امتحانات الشهادة السودانية مجرد كلمة احتفالية مرتبطة بحدث تعليمي عابر، بل جاء أقرب إلى وثيقة سياسية وفكرية متكاملة ترسم ملامح السودان الذي يسعى السودانيون إلى بنائه بعد عقود طويلة من الحروب والتهميش والإقصاء.
ففي لحظة تاريخية فارقة، وبينما كان آلاف الطلاب والطالبات يتجهون إلى قاعات الامتحانات في عشرات المراكز الممتدة من المزروب والنهود إلى أردمتا وفوربرنقا، لم يكن الجرس الذي أعلن بداية الامتحانات مجرد إيذان ببدء اختبار أكاديمي، وإنما كان إعلاناً سياسياً وأخلاقياً عن بداية مرحلة جديدة في تاريخ السودان.
لقد حمل خطاب التعايشي رسالة واضحة مفادها أن التعليم ليس خدمة تمنحها الحكومات متى شاءت وتسحبها متى أرادت، بل هو حق أصيل ومقدس لا يجوز مصادرته تحت أي ظرف من الظروف. ومن هنا جاءت كلماته لتعيد تعريف جوهر الدولة نفسها، فالدولة التي تعجز عن توفير التعليم لمواطنيها ليست سوى سلطة مؤقتة، أما الدولة الحقيقية فهي التي تفتح أبواب المدارس وتؤمن مستقبل أطفالها حتى في أصعب الظروف.
ولعل أكثر ما منح الخطاب قوته وتأثيره أنه استند إلى ذاكرة سودانية مثقلة بالحرمان. فقد ذكّر التعايشي بأن آلاف الطلاب والطالبات حُرموا طوال السنوات الثلاث الماضية من حقهم الطبيعي في التعليم بسبب الحرب، وأن شعوباً كاملة في جبال النوبة والنيل الأزرق ظلت تعاني من الحرمان التعليمي لما يقارب أربعة عشر عاماً. بذلك لم يتحدث الرجل عن أرقام مجردة، بل عن جرح وطني عميق ظل ينزف لعقود طويلة.
ومن هذه الزاوية تحديداً، اكتسبت امتحانات الشهادة السودانية معناها الحقيقي. فهي ليست مجرد امتحانات نهاية مرحلة دراسية، وإنما تمثل استعادة لحق مسلوب وإعادة الاعتبار لأجيال كاملة حاولت الحرب أن تدفعها إلى الهامش. ولذلك فإن جلوس ما يقارب عشرة آلاف طالب وطالبة للامتحانات في ثلاثة وثمانين مركزاً، بنسبة مشاركة عالية للفتيات بلغت أربعة وسبعين في المائة، يشكل في حد ذاته انتصاراً اجتماعياً وثقافياً وسياسياً قبل أن يكون نجاحاً تعليمياً.
وفي واحدة من أكثر اللحظات دلالة في الخطاب، كشف رئيس الوزراء عن قراره تأجيل الامتحانات استجابة لطلب اللجنة المختصة من أجل منح فرصة إضافية للطلاب الراغبين في استكمال إجراءات التسجيل. لم تكن تلك الواقعة مجرد تفصيل إداري، بل تعبيراً عن فلسفة حكم مختلفة تماماً؛ فلسفة ترى أن الدولة وجدت لخدمة المواطن لا لإقصائه.
حين قال التعايشي إنه كان مستعداً لإقامة الامتحانات حتى لو كان هناك طالب واحد فقط، وإنه مستعد لتأجيلها من أجل طالب واحد يريد أن يلتحق بها، فإنه كان يقدم تعريفاً جديداً لمعنى العدالة والإنصاف. فالدولة التي تنتظر آخر طالب حتى لا يتخلف عن حقه هي دولة بدأت فعلاً في بناء عقد اجتماعي جديد يقوم على المساواة الكاملة بين المواطنين.
ولهذا السبب يمكن النظر إلى مركز مصعب بن عمير بمدينة نيالا، الذي يضم طلاب الإقليم الأوسط، باعتباره رمزاً مصغراً لفكرة السودان الجديد. فهؤلاء الطلاب الذين قدموا من مناطق مختلفة مزقتها الحرب يجلسون اليوم إلى جوار بعضهم البعض تحت سقف واحد، يحملون الحلم ذاته ويكتبون المستقبل نفسه.
كما أن الخطاب قدم رؤية سياسية عميقة حين تحدث التعايشي عن وجود نموذجين متصارعين للسودان. النموذج الأول هو السودان القديم الذي أنتج الحروب والتمييز والتهميش والتشريد والانقسامات. أما النموذج الثاني فهو السودان الجديد الذي يقوم على العدالة والمواطنة المتساوية واحترام الحقوق الأساسية وفي مقدمتها الحق في التعليم.
وهنا تتجاوز أهمية الخطاب حدود المناسبة الآنية، لأنه وضع التعليم في قلب مشروع التحول الوطني. فالتعايشي لم يتحدث عن المدارس باعتبارها مباني، وإنما باعتبارها مصانع للحرية ومنابع للوعي وأدوات لبناء السلام المستدام. وهي رؤية تعكس فهماً عميقاً لحقيقة أن الأمم لا تنهض بالسلاح وحده، بل تنهض بالعقول القادرة على التفكير والإبداع وصناعة المستقبل.
إن ما جرى في ذلك اليوم لم يكن مجرد افتتاح لامتحانات الشهادة السودانية، بل كان إعلاناً عن ميلاد مرحلة جديدة في السودان. مرحلة تنتقل فيها الدولة من منطق الإقصاء إلى منطق الحقوق، ومن ثقافة الحرب إلى ثقافة المعرفة، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل.
ولهذا يمكن القول إن حكومة السلام سجلت بهذا الإنجاز نقطة مضيئة جديدة في مسيرتها، وأثبتت أنها تمضي بخطى واثقة نحو بناء دولة تستحقها الشعوب السودانية، دولة تجعل من الحرية والسلام والعدالة قيماً عملية تُترجم إلى سياسات ومؤسسات وحقوق ملموسة.
لقد قرع الجرس في قاعات الامتحانات، لكنه في الحقيقة قرع أيضاً أبواب المستقبل. ومن بين أصوات الطلاب وهم يكتبون إجاباتهم، كان السودان الجديد يكتب أولى صفحاته بثقة وأمل وإصرار.
التعايشي يعلن من قاعات الامتحانات نهاية عهد التهميش



