
مؤيد الأمين
حين تصبح وساطة الرباعية بداية لإعادة رسم الخريطة
بينما تتصاعد الدعوات لإنهاء نزيف الدم في السودان عبر مبادرات دولية تُروَّج كحلول إنسانية وسياسية، يبرز سؤال أعمق وأخطر: هل الهدنة التي تقودها الرباعية (السعودية، مصر، الإمارات، والولايات المتحدة) تمهّد لعودة سلام عادل يعيد بناء دولة موحّدة، أم أنها تُمثِّل خطوة أولى في مشروع أوسع لتفتيت السودان وتقسيمه؟
هذا السؤال ليس تحليلاً نظرياً فحسب؛ بل هو قراءة للمشهد السياسي والدبلوماسي المحيط بمفاوضات وقف الحرب. الحديث عن “حكم كل طرف مناطقه” أو ترتيبات أمنية تصبّ في مصلحة تثبيت مناطق النفوذ، إذا تُركت بلا رؤية وطنية شاملة، يمكن أن تتحول بسهولة من اتفاق هدنة إلى آلية تقنين تقسيم فعلي للأراضي والمؤسسات.
من هي الرباعية ولماذا يثير ذلك القلق؟
الرباعية التي تُشارك في قيادة جهود الوساطة تتألف، كما ذكرت، من السعودية ومصر والإمارات والولايات المتحدة. هذه الدول تملك نفوذاً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً على أطراف النزاع السوداني أو على فاعلين إقليميين داعمين للأطراف السودانية، وهو ما يجعل مسارات الوساطة عرضة لتقاطع مصالح إقليمية دولية لا تتطابق بالضرورة مع مصلحة السودان الوطنية.
من هنا ينبعو القلق: عندما تملك دول الوساطة روابط تمويلية أو علاقات أمنية مع أحد أطراف النزاع — أو عندما تكون لديها مصالح اقتصادية واستراتيجية في تقسيم النفوذ داخل السودان — فإن احتمال أن تتحوّل الهدنة إلى “تثبيت للواقع الجديد” يزداد. وبعبارة أخرى: الوسيط قد لا يكون محايداً إذا كانت خلفه مصالح قد تستفيد من واقع مقسّم أو ضعف مركزي.
لماذا قد تقود الهدنة إلى تقسيم؟ دروس من تجارب إقليمية
المنطق الذي يخيف محلِّلي المشهد السوداني هو بسيط: أي اتفاق دولي يهدف بالأساس إلى وقف المعارك ويقترح ترك الطرفين يمارسان “حكم مناطقهما” دون خطة وطنية متماسكة لإعادة بناء مؤسسات الدولة سيؤدي إلى:
1. تكريس سلطات موازية (حكومات، قُوى أمنية، أجهزة جباية)؛
2. نشوء اقتصاد موازٍ وإدارة موارد محلية منفصلة؛
3. تفريخ هويات إقليمية/قبلية تتحول إلى قواعد قوة سياسية مستقلة.
هذه ليست فرضية بعيدة عن تجارب المنطقة؛ فالأمثلة على انهيار الوحدة الوطنية أو تقسيم الدول بعد اتفاقات مماثلة كثيرة: من سيناريوات الحال في ليبيا، إلى تجارب حكمٍ ذاتي تحول لاحقاً إلى انفصال فعلي كما في جنوب السودان (حيث مرّ الملف بمرحلتي حكم ذاتي واستفتاء ثم الانفصال النهائي). التاريخ يعلمنا أن “الاتفاقات المؤقتة” قد تتحول إلى حقائق دائمة إذا صدَّقها المجتمع الدولي ومرّ زمنٌ طويلاً دون مشروع وطني بديل.
من يستفيد؟ شبكة مصالح خارجية وداخلية
من المرجّح أن تستفيد جهات متعددة من واقع مُجزّأ:
قوى إقليمية ترى في تفتيت السودان طريقة لتقليل تهديدٍ إستراتيجي أو لتعزيز موطئ قدم اقتصادي (الموانئ، الذهب، الأراضي الزراعية).
أطراف داخلية مسلحة تسعى إلى تحويل مكاسبها العسكرية إلى شرعية إدارية واقتصادية.
مجموعات سياسية تسعى للعودة للنفوذ عبر قواعد إقليمية ضيقة بدل التنافس في إطار دولة موحّدة.
في سياق ذلك، ظهرت اتهامات وتحليلات تربط بعض دول المنطقة بعلاقات دعم لجهات مسلحة داخل السودان، مما يُزيد الشكوك حول حياد الوساطة ويدعو إلى توخّي الحذر في قبول أي اتفاق يُقوِّض وحدة الدولة المركزية.
الغفلة الوطنية: لماذا تركز القوى المدنية على وقف القتال فقط؟
على المستوى الوطني، تبدو أولويات القوى المدنية والمجتمع المدني معقولة: إنهاء القتل، فتح الممرات الإنسانية، نقل الجرحى. لكن المشكل يكمن في أن الرؤية قصيرة المدى — أي التركيز فقط على وقف النار — من دون مواكبة خطة سياسية وإصلاحية قومية، تُترجم وقف النار إلى سلام مُنظم يبني مؤسسات قوية، ستقود لاحقاً إلى حلّ سلمي طويل الأمد.
الانشغال بالجانب الإنساني وحده دون رؤية دستورية وسياسية يعرض المجتمع لخطر قبول ترتيبات تؤسس واقعاً جديداً غير متكافئ، حيث يمكن أن يتحول الانتصار الميداني إلى واقع سياسي مُعترف به دولياً، ما يجعل إلغاء الانقسام أو إعادة الدمج أمراً شبه مستحيل في المستقبل.
ماذا على القوى الوطنية المدافعة عن الوحدة أن تفعل الآن؟
التحدّي الآن يتطلب خطوات عملية وحاسمة من النخب السياسية والمدنية:
1. وضع رؤية وطنية موحدة لما بعد الهدنة: بيان واضح يرفض أي ترتيبات تُقدّس حكم المناطق على حساب وحدة الدولة ومؤسساتها. يجب أن تُقدَّم هذه الرؤية إلى الوسطاء الدوليين كشرط أساسي لأي تفاهم حول وقف إطلاق النار.
2. تشكيل جبهة مدنية-سياسية شاملة: تضم أحزاباً، نقابات مهنية، منظمات شبابية ومثقفين لقيادة حملة وطنية توعوية تبيّن مخاطر التقسيم وتعرض بدائل سياسية واضحة.
3. المطالبة بمشاركة فاعلة وشفافة للمدنيين في أي مفاوضات: لا تفاوض خلف الأبواب المغلقة ولا ترتيبات دون حضور ممثّل شرعي عن مجمل مشهد القوى الوطنية المدنية.
4. الضغط الدولي الذكي: توجيه رسالة إلى المجتمع الدولي تُعرّي أي مصالح تقود إلى تفتيت الدولة، والعمل على خلق توازن دبلوماسي يدعم المطلب الوطني: وحدة السودان وسيادة مؤسساته
5. التحضير لآليات إعادة الدمج: إعداد برامج اقتصادية واجتماعية وسياسية لإعادة ربط المناطق إذا ما عسَّت الظروف السياسية تسمح بذلك — لأن الاستعداد المسبق يجعل العودة للوحدة أقل تكلفة وواقعية.
تحذير من فخ “الواقعية السياسية” وضرورة التمييز بين سلام وهدنة
هناك خطاب دولي يُسوِّق لفكرة “الواقعية السياسية”: قبول ضرورات القوة الواقعية بدل المثالية الوطنية. لكن الخطر يكمن في أن “الواقعية” تُستعمل لتبرير ترتيبات تحفظ المصالح قصيرة الأمد للاعبين المحليين والدوليين على حساب مصلحة قومية شاملة. لذا لا يكفي أن نقول “نريد السلام”؛ بل يجب أن نحدّد ما هو السلام الذي نريده: السلام الذي يعيد بناء الدولة أم السلام الذي يضفي الشرعية على انقسام دائم؟
خاتمة:
الخطر كبير — والواجب أكبر
الهدنة التي تقودها الرباعية (السعودية، مصر، الإمارات، والولايات المتحدة) قد تكون فرصة لإنقاذ أرواح الملايين وإنهاء معاناة المحاصرين. لكنها في الوقت نفسه قد تصبح غطاءً لمشروع تقسيم عملي إذا لم تُرافقها رؤية وطنية حازمة، مشاركة مدنية فاعلة، وشروط واضحة تحمي سيادة الدولة ووحدتها.
إن مسؤولية النخب السياسية والمدنية الآن مضاعفة: أن تنقذ حياة الناس اليوم، وأن تحمي مستقبل السودان غداً. لا يكفي أن نطالب بوقف القتال، يجب أن نطالب بوقف أي ترتيب يقود إلى تفكيك الدولة أو تحويل مناطق إلى دولات صغيرة مفككة.
بيان دعوة مفتوح (خاتمة صيغية صريحة موجَّهة إلى القوى المدنية والأحزاب)
ندعو اليوم جميع القوى المدنية، الأحزاب الوطنية، نقابات العاملين، قيادات المجتمع المدني، والمثقفين إلى:
1. التوّحد في موقف واضح لا يقبل أي اتفاق يقسّم السودان أو يكرّس حكم المناطق كحالة دائمة.
2. المطالبة بمشاركة مدنية كاملة وشفافة في أي مفاوضات أو ترتيبات هدنة.
3. إطلاق حملة وطنية توعوية تشرح مخاطر أي تصوُّر يقود لتقسيم السيادة والموارد.
4. إعداد خطة وطنية لمرحلة ما بعد الهدنة تضم آليات لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتوزيع عادل للثروة والأمن.
السودان أكبر من أي حساب إقليمي أو خارجي. ولن نسمح أن تُباع سيادته حفاظاً على مكاسب آنية أو مصالح خارجية. لنقول بصوت واحد: نعم للسلام، بشرط أن يحفظ وحدتنا وسيادتنا.




