رأي

قرارات أمريكا بشأن السودان❗️بداية تفكيك دولة الإخوان فاطمة لقاوة

فاطمة لقاوة

 

فاطمة لقاوة

لم تعد القرارات الأمريكية الأخيرة المتعلقة بالسودان مجرد مواقف دبلوماسية عابرة أو بيانات إدانة للحرب المستمرة، بل تمثل تحولاً إستراتيجياً عميقاً في طريقة تعامل واشنطن مع الأزمة السودانية،فالمشهد تجاوز مرحلة إدارة الصراع إلى مرحلة إعادة تشكيل موازين القوى السياسية والعسكرية التي ظلت تتحكم في مصير البلاد لعقود.

إدراج جماعة الإخوان المسلمين وواجهاتها المختلفة ضمن دائرة الإستهداف السياسي والأمني، إلى جانب مشاريع القوانين التي يناقشها الكونغرس الأمريكي بشأن السودان، يكشف عن توجه واضح يهدف إلى تفكيك البنية الأيديولوجية والعسكرية الإخوانجية التي ساهمت في إشعال الحرب وإطالة أمدها.

واشنطن لم تعد تنظر إلى الأزمة السودانية بإعتبارها نزاعاً بين طرفين عسكريين فحسب، بل بإعتبارها نتاجاً لشبكات نفوذ سياسية وإقتصادية وعسكرية ظلت تعمل في الظل وتعرقل أي إنتقال حقيقي نحو السلام.

شكلت القرارات الأمريكية ضربة مباشرة للشبكات الإقتصادية و المالية المرتبطة بالحركة الإسلامية،

فالعقوبات والتصنيفات المرتبطة بمكافحة الإرهاب لا تستهدف الأفراد فقط، وإنما تمتد إلى الشركات والواجهات الإستثمارية ومصادر التمويل التي ظلت تمثل العمود الفقري لإستمرار النفوذ السياسي والعسكري،ومع تشديد الرقابة الدولية على حركة الأموال والتحويلات، يصبح إستمرار هذه الشبكات أكثر صعوبة وكلفة من أي وقت مضى.

على المستوى العسكري، فإن الرسالة الأمريكية تبدو أكثر وضوحاً من أي وقت مضى،فواشنطن تسعى إلى منع تحول السودان إلى نموذج تهيمن فيه التشكيلات العقائدية المسلحة على القرار الوطني، أو إلى دولة تُدار من خلال أذرع عسكرية كيزانية و قبلية متسيطرة على مؤسسات الدولة الرسمية،لهذا فإن إستمرار أي إرتباط بين المؤسسة العسكرية وهذه المجموعات سيجعل من الصعب على السودان الخروج من دائرة العزلة والعقوبات.

إقليمياً، تحمل القرارات الأمريكية رسائل تتجاوز الحدود السودانية،فالتطورات الأخيرة تأتي في سياق أوسع يتعلق بإعادة ترتيب موازين النفوذ في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي، حيث تنظر الولايات المتحدة بقلق متزايد إلى تنامي أدوار الجماعات الأيديولوجية العابرة للحدود وشبكات الدعم الإقليمي المرتبطة بها، ومن ثم فإن أي جهة إقليمية تفكر في الإستثمار السياسي أو العسكري في هذه الجماعات ستجد نفسها أمام حسابات أكثر تعقيداً وكلفة.

البعد الأهم يظل سياسياً،فالرسالة المركزية التي يمكن إستخلاصها من مجمل التحركات الأمريكية هي أن المجتمع الدولي لم يعد مستعداً لمنح الشرعية لأي سلطة تُفرض بقوة السلاح أو تستند إلى شبكات التطرف والعنف،لقد أصبح الطريق نحو الإعتراف الدولي يمر عبر مشروع الدولة المدنية ومؤسسات الحكم الديمقراطي، لا عبر التحشيدات العسكرية المؤقتة أو السعي للسيطرة على الأرض.

ما يجري اليوم ليس مجرد ضغط سياسي على الطرف المُتعنت من أطراف الحرب، بل محاولة لإعادة رسم مستقبل السودان نفسه،فالمعادلة الجديدة التي تطرحها واشنطن تقوم على مبدأ بسيط: لا مكان في السودان القادم للمليشيات العقائدية الإخوانية أو مرتزقتها، ولا شرعية دائمة لأي سلطة ترفض التسوية السياسية الشاملة.

لقد دخل السودان مرحلة جديدة عنوانها إعادة تشكيل المشهد السياسي تحت ضغط العقوبات والعزلة الدولية، بينما تتساقط رهانات القوى التي إعتادت إستخدام الدين والسلاح لإحتكار الدولة.

يبرز اليوم سؤال حاسم أمام جميع الأطراف التي تدعم عصابة بورتسودان: هل ستستوعب هذه الرسالة وتتجه نحو تسوية تؤسس لدولة مدنية مستقرة، أم ستواصل السير في طريق يقود إلى مزيد من العُزلة والانهيار؟

الأكيد أن قرارات أمريكا بشأن السودان لم تعد مجرد أدوات ضغط سياسية، بل أصبحت جزءاً من معركة كبرى لإعادة تعريف من يحكم السودان، وكيف يُحكم، وما إذا كانت الدولة القادمة ستكون دولة مؤسسات ومواطنة، أم بقايا مشروع أيديولوجي لفظه الداخل وبدأ العالم يلفظه أيضاً.

ولنا عودة بإذن الله

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!