رأي

أجيال وُلدت بلا شهادة ميلاد وماتت بلا شهادة وفاة: الوجه المنسي للحرب في السودان

نجوي بابو

 

نجوي بابو 

في الأوقات العادية، تبدو الوثائق الرسمية مجرد أوراق تحفظها الدول لتنظيم حياة مواطنيها. لكنها في أزمنة الحروب والأزمات تتحول إلى مفاتيح للحقوق الأساسية، بل وإلى الفاصل بين الاعتراف بالإنسان وإنكاره. فشهادة الميلاد، والرقم الوطني، والجنسية، وجواز السفر ليست مجرد مستندات إدارية، وإنما اعتراف قانوني بوجود الإنسان وحقه في التعليم والصحة والتنقل والعمل والمشاركة في الحياة العامة.

في السودان اليوم، تبرز أزمة الوثائق الثبوتية كواحدة من أكثر القضايا الإنسانية إلحاحًا، وإن كانت أقلها حضورًا في النقاش السياسي والإعلامي. فآلاف المواطنين في مناطق دارفور وكردفان والنيل الأزرق وغيرها من المناطق التي سميت باسم الحواضن يواجهون الحرمان و صعوبات كبيرة في الحصول على الأوراق الرسمية أو تجديدها. وبينما ينظر البعض إلى هذه المشكلة باعتبارها أزمة إدارية مؤقتة، فإن آثارها العميقة تمتد إلى مستقبل أجيال كاملة.

فالطالب الذي اجتهد سنوات من عمره للوصول إلى امتحان الشهادة السودانية قد يجد نفسه عاجزًا عن معرفة نتيجته أو متابعة مسيرته التعليمية بسبب غياب وثيقة تثبت هويته. والشاب الذي يحلم بالدراسة في جامعة داخل السودان أو خارجه قد تصطدم طموحاته بعقبة لم يصنعها بنفسه. وهكذا تتحول الحرب من صراع على الأرض والسلطة إلى صراع على الحق في المستقبل.

ولعل الجانب الأكثر إيلامًا في هذه الأزمة هو أن الحرب لم تعد تنتج ضحايا بالمعنى التقليدي فقط، بل أصبحت تنتج بشرًا خارج السجل المدني نفسه. ففي بعض المناطق التي طالها النزاع لسنوات طويلة، وُلد أطفال من دون شهادات ميلاد، وكبروا من دون وثائق تثبت هويتهم، ثم رحل آباء وأجداد من دون شهادات وفاة توثق نهاية حياتهم. وهكذا نجد أنفسنا أمام ثلاثة أجيال متعاقبة عاشت على هامش الاعتراف القانوني: جيل وُلد بلا شهادة ميلاد، وجيل عاش محرومًا من حقوقه الأساسية بسبب غياب الوثائق، وجيل غادر الحياة من دون أن يُسجل رحيله رسميًا.

هذه ليست مجرد مشكلة إدارية أو ورقة ضغط علي بعض الشعوب السودانية بل أزمة وجودية تمس جوهر العلاقة بين الإنسان والدولة. فالدولة التي لا تستطيع أن تسجل ميلاد مواطنيها أو تحفظ أسماء موتاهم تواجه تحديًا يتجاوز كفاءة المؤسسات إلى سؤال المعنى نفسه: من هو المواطن؟ وكيف يمكن للإنسان أن يشعر بالانتماء إلى وطن لا يملك دليلًا رسميًا على وجوده؟

تطرح هذه الأزمة سؤالًا جوهريًا حول العلاقة بين الدولة والمواطن. هل الحقوق الإنسانية أصيلة في الإنسان لكونه إنسانًا، أم أنها تصبح مشروطة بامتلاكه وثيقة تعترف بها السلطة؟ لقد نشأت الدولة الحديثة لحماية الحقوق وتنظيمها، لكنها تفقد جزءًا من مشروعيتها الأخلاقية عندما يصبح الوصول إلى تلك الحقوق مرهونًا بإجراءات يستحيل على بعض المواطنين إنجازها بسبب ظروف خارجة عن إرادتهم أو تعمد الإقصاء.

لقد علمتنا تجارب التاريخ أن تهميش فئات واسعة من السكان في قضايا الهوية والوثائق لا يؤدي فقط إلى معاناة إنسانية، بل يفتح أبوابًا جديدة للنزاعات وعدم الاستقرار. فالإنسان الذي يُحرم من الاعتراف القانوني يشعر تدريجيًا بأنه مستبعد من العقد الاجتماعي الذي يربطه بالدولة. وعندما تتسع دائرة هذا الشعور، تتحول الأزمة الإدارية والإقصائية إلى أزمة سياسية ووطنية تهدد أسس التعايش والاستقرار.

ولهذا فإن قضية الأوراق الثبوتية ليست ملفًا ثانويًا يمكن تأجيله إلى ما بعد الحرب، بل هي جزء أساسي من معركة السلام والعدالة وإعادة بناء الدولة. لأن السلام الحقيقي لا يبدأ عندما تتوقف أصوات البنادق فقط، بل عندما يشعر كل إنسان بأن له اسمًا معترفًا به، وهوية مصانة، ومستقبلًا لا تحدده الحرب ولا تمحوه الأوراق المفقودة.

قد تجد المنظمات الحقوقية الدولية نفسها أمام مطالب متزايدة للبحث عن حلول استثنائية تضمن حق المتضررين في التعليم والتنقل وإثبات الشخصية، خاصة إذا استمرت الأزمة لفترة أطول. غير أن اللجوء إلى المعالجات الاستثنائية يجب أن يظل خيارًا مؤقتًا، لأن الحل الحقيقي لا يمكن أن يأتي من خارج الحدود بقدر ما يجب أن ينبع من إرادة وطنية تعترف بحقوق جميع السودانيين دون استثناء.

إن الحفاظ على وحدة السودان لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل ببناء دولة يشعر كل مواطن فيها بأن حقوقه مصانة مهما كان موقعه الجغرافي أو انتماؤه الاجتماعي أو السياسي. فالوحدة ليست مجرد حدود مرسومة على الخريطة، وإنما شعور جماعي بالانتماء والعدالة والمساواة.

واليوم، بينما تقف البلاد أمام منعطف تاريخي بالغ الحساسية، يصبح الحوار السياسي الشامل أكثر من مجرد خيار؛ إنه ضرورة وطنية وأخلاقية. إن الجلوس إلى طاولة المفاوضات، وتقديم التنازلات المتبادلة، والسعي إلى سلام عادل ومستدام، ليست خطوات لخدمة طرف على حساب آخر، بل هي استثمار في مستقبل السودان نفسه.

فالأوطان لا تنهار فقط عندما تشتعل الحروب، بل عندما يفقد الإنسان حقه في أن يكون مرئيًا أمام القانون والتاريخ. وهناك أطفال لم تعترف الدولة بميلادهم، وشيوخ لم تعترف بوفاتهم، وبين الميلاد والوفاة ضاعت حياة كاملة خارج السجل وخارج الذاكرة.

إن مأساة الوثائق في السودان لم تعد مجرد قضية تتعلق بإجراءات استخراج الجنسية أو الرقم الوطني أو جواز السفر، بل أصبحت قضية تتعلق بمصير أجيال كاملة. فالشهادة السودانية، التي تمثل بوابة العبور إلى التعليم العالي ومستقبل الشباب، أصبحت بالنسبة لكثيرين مرتبطة بالحصول على وثائق قد يتعذر الوصول إليها في ظل ظروف الحرب والنزوح. وهكذا يتحول الحق في التعليم من استحقاق طبيعي إلى امتياز تحدده القدرة على إثبات الهوية.

وإذا استمرت هذه الأزمة دون معالجة جذرية، فقد يجد السودان نفسه أمام واقع خطير يتمثل في وجود أعداد متزايدة من المواطنين الذين يعيشون خارج منظومة الاعتراف القانوني، الأمر الذي قد يدفع المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية إلى البحث عن معالجات استثنائية لحماية حقوقهم الأساسية. غير أن الواجب الوطني والأخلاقي يقتضي معالجة هذه القضية داخل السودان نفسه، عبر تسوية سياسية عادلة وشاملة تعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس المساواة والعدالة والمواطنة المتساوية.

فالسلام ليس مجرد وقف لإطلاق النار، بل هو إعادة الاعتبار للإنسان. وهو أن يولد الطفل ومعه حقه في الهوية، وأن يتعلم الشاب من دون عوائق مصطنعة، وأن يرحل المسن تاركًا وراءه أثرًا محفوظًا في ذاكرة وطنه وسجلاته. عندها فقط يمكن للسودان أن يطوي صفحة الحرب، لا بوصفها معركة انتهت، بل بوصفها درسًا تاريخيًا أعاد للإنسان قيمته وللمواطنة معناها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!