
نجم الدين دريسة
الأوطان تموت ببطء عندما تتحول الكراهية إلى لغة يومية واسعة الانتشار
لم تعد العنصرية في السودان مجرد انحراف أخلاقي أو سلوك اجتماعي معزول يمكن التعامل معه بوصفه ظاهرة هامشية محدودة التأثير، بل تحولت إلى أحد أخطر التحديات التي تواجه فكرة الدولة الوطنية ومستقبل التعايش بين مكوناتها المختلفة. فحين تتراجع قيم المواطنة لصالح الانتماءات الضيقة، وحين تصبح الهوية وسيلة للفرز والإقصاء بدلاً من أن تكون مصدرًا للثراء والتنوع، فإن المجتمع يدخل في دائرة مقلقة من الانقسام يصعب الخروج منها دون أثمان باهظة.
إن أخطر ما في خطاب الكراهية أنه لا يقدم نفسه عادةً بوصفه خطاباً متطرفاً أو معادياً للآخر بصورة مباشرة، بل يتسلل إلى المجال العام متخفياً خلف شعارات تبدو للوهلة الأولى وطنية أو ثقافية أو تاريخية. لكنه في جوهره يقوم على نزع المساواة بين المواطنين وتصنيفهم إلى درجات متفاوتة من الانتماء والاستحقاق، بحيث تُمنح بعض الفئات حق احتكار الوطنية بينما يُدفع آخرون إلى الهامش أو يُنظر إليهم باعتبارهم أقل استحقاقاً للحقوق والاعتراف.
والتاريخ الإنساني يقدم شواهد كثيرة على أن الحروب الكبرى لم تبدأ بالمدافع والبنادق، وإنما بدأت بالكلمات. فقبل أن تُراق الدماء، تُصنع الحواجز النفسية بين الناس، وقبل أن تتسع ساحات القتال، تتسع مساحات الشك والكراهية داخل الوعي الجمعي. ولهذا لم يكن مستغرباً أن يعتبر علماء الاجتماع والسياسة أن خطاب الكراهية هو المرحلة التمهيدية الأكثر خطورة في إنتاج الصراعات العنيفة والنزاعات الممتدة.
وفي السودان تبدو خطورة هذه الظاهرة أكثر وضوحاً بسبب الطبيعة المركبة للمجتمع السوداني. فالسودان لم يتشكل عبر هوية واحدة أو ثقافة أحادية، وإنما نشأ نتيجة تفاعل طويل بين مجموعات بشرية متعددة وثقافات متنوعة وأقاليم متباينة في خصائصها الاجتماعية والاقتصادية. ولذلك فإن أي محاولة لتقديم فئة باعتبارها الممثل الوحيد للوطن أو اعتبار جماعة أخرى أقل انتماءً تمثل اعتداءً على حقيقة السودان نفسها قبل أن تكون اعتداءً على تلك الفئات.
لقد ظلت أزمة السودان منذ الاستقلال مرتبطة بصورة وثيقة بإشكالية إدارة التنوع. فالمشكلة لم تكن في وجود الاختلاف، وإنما في طريقة التعامل معه. إذ إن كثيراً من النخب السياسية تعاملت مع التنوع بوصفه عبئاً ينبغي إخضاعه أو السيطرة عليه، بدلاً من اعتباره فرصة لبناء دولة أكثر اتساعاً وعدالة. ونتيجة لذلك تراكمت مشاعر التهميش وعدم المساواة، وتحولت بعض القضايا الاجتماعية إلى أزمات سياسية مزمنة.
ومع اندلاع الحرب الأخيرة ازداد حضور الخطابات العنصرية بصورة لافتة، وبرزت مفردات وتصنيفات قائمة على الأصل أو الجهة أو الإثنية أو الانتماء القبلي. ولم يعد الخلاف السياسي يدار حول البرامج والرؤى والمواقف، بل انتقل في كثير من الأحيان إلى استهداف الهويات نفسها. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، لأن الصراع السياسي بطبيعته قابل للحل والتسوية، أما حين يتحول إلى صراع هويات فإنه يصبح أكثر تعقيداً وأطول عمراً وأكثر تدميراً للنسيج الاجتماعي.
لقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تسريع انتشار هذه الظاهرة بصورة غير مسبوقة. فهذه المنصات، رغم ما توفره من فرص للتواصل وتبادل المعرفة، أصبحت أيضاً بيئة خصبة لتداول الشائعات والمعلومات المضللة والصور النمطية السلبية. وبفعل سرعة الانتشار وضعف الضوابط المهنية، باتت بعض الرسائل المحرضة تصل إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات قليلة، وهو ما يمنح خطاب الكراهية قدرة استثنائية على التأثير والتعبئة.
ولا تكمن خطورة الكراهية في الكلمات التي تطلقها فحسب، بل في قدرتها على إعادة تشكيل الوعي الاجتماعي بحيث يصبح التمييز أمراً عادياً والإقصاء ممارسة مقبولة. فعندما تتكرر العبارات العنصرية بصورة مستمرة، يبدأ الناس تدريجياً في التعامل معها باعتبارها جزءاً طبيعياً من الخطاب العام، وهنا تتحول المشكلة من مجرد رأي متطرف إلى ثقافة اجتماعية يصعب تفكيكها.
كما أن الكراهية لا تضر بالمجموعات المستهدفة وحدها، بل تضر بالمجتمع كله. فهي تضعف الثقة المتبادلة بين المواطنين، وتحد من فرص التعاون والتكامل، وتخلق بيئة مشحونة بالريبة والخوف. وفي المجتمعات الخارجة من النزاعات تمثل الثقة أحد أهم شروط إعادة البناء، ولذلك فإن استمرار الخطاب العنصري يعني عملياً إطالة أمد الأزمة وتعقيد فرص الوصول إلى سلام مستدام.
ومن الناحية السياسية، فإن خطاب الكراهية يمثل تهديداً مباشراً لأي مشروع ديمقراطي. فالديمقراطية لا تقوم فقط على الانتخابات والمؤسسات، وإنما تقوم قبل ذلك على الاعتراف المتبادل بين المواطنين وعلى قبول الاختلاف واحترام التعددية. وعندما يُنظر إلى بعض المواطنين باعتبارهم أقل قيمة أو أقل انتماءً، فإن الأساس الأخلاقي للديمقراطية يتعرض للتآكل تدريجياً.
ولهذا فإن بناء دولة المواطنة يتطلب مواجهة جادة وشاملة لخطاب العنصرية. وهذه المواجهة لا يمكن أن تكون أمنية أو قانونية فقط، رغم أهمية القوانين الرادعة، وإنما يجب أن تكون معركة ثقافية وفكرية وتربوية في المقام الأول. فالتشريعات تستطيع أن تعاقب على السلوك، لكنها لا تستطيع وحدها تغيير القناعات الراسخة في العقول.
إن المدرسة والجامعة ووسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية ومنظمات المجتمع المدني مطالبة جميعها بالمساهمة في بناء ثقافة جديدة قائمة على احترام التنوع. فالأجيال القادمة يجب أن تنشأ على فكرة أن الاختلاف بين البشر حقيقة طبيعية ومصدر قوة، لا مبرر للصراع أو التفاضل. كما أن الإعلام مطالب بالانتقال من دور الناقل للأحداث إلى دور الفاعل في تعزيز قيم السلم الاجتماعي والوعي الوطني.
والتجارب العالمية تؤكد أن الدول الأكثر استقراراً ليست تلك التي تخلو من التنوع، بل تلك التي نجحت في إدارة هذا التنوع بعدالة وحكمة. فالتعددية لا تتحول إلى مشكلة إلا عندما تُدار بعقلية الاحتكار والاستعلاء، أما حين تُدار بعقلية الشراكة والاحترام المتبادل فإنها تصبح مصدراً للإبداع والتجدد والتقدم.
واليوم يقف السودان أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف علاقته بذاته وبمكوناته المختلفة. فالحروب والأزمات، رغم قسوتها، تكشف مواطن الخلل وتفتح الباب أمام مراجعات عميقة. ومن أهم هذه المراجعات ضرورة الانتقال من مفهوم الدولة التي تمنح الامتيازات لفئات محددة إلى مفهوم الدولة التي تضمن الحقوق المتساوية لجميع مواطنيها دون تمييز.
إن المستقبل لا يمكن أن يُبنى على الأحقاد المتوارثة ولا على أوهام التفوق العرقي أو الثقافي. فالأمم التي نهضت لم تفعل ذلك عبر إقصاء مكوناتها، وإنما عبر تحويل اختلافاتها إلى عناصر قوة. أما المجتمعات التي استسلمت للكراهية فقد دفعت ثمناً باهظاً من استقرارها ووحدتها وتنميتها.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست بين قبيلة وأخرى، ولا بين جهة وأخرى، بل بين ثقافة المواطنة وثقافة الإقصاء، بين مشروع يؤمن بالمساواة والعدالة واحترام الإنسان، ومشروع آخر يقوم على التصنيف والاستعلاء وإعادة إنتاج الانقسامات القديمة.
وسيظل السودان بحاجة إلى خطاب جديد يؤمن بأن كرامة الإنسان لا ترتبط بأصله أو قبيلته أو منطقته، وإنما بإنسانيته ومواطنته. لأن الوطن الذي يتسع للجميع هو وحده القادر على البقاء، أما الوطن الذي يُبنى على التمييز والكراهية فسيظل أسيراً لأزماته مهما امتلك من ثروات وموارد.
فالعنصرية، مهما علا صوتها، ليست دليلاً على القوة، بل اعتراف ضمني بالخوف من الآخر. أما احترام التنوع والاعتراف المتبادل فهو التعبير الأصدق عن الثقة بالنفس ونضج المجتمعات وقدرتها على صناعة مستقبل أكثر عدلاً واستقراراً وسلاماً.
دريسة




