رأي

خطاب ارباب ابو كيف في الدورة الستين لمجلس حقوق الانسان

إتحاد مراكز حقوق الانسان السودانية ومنظمة الفجر للسلام والتنمية

السادة الحضور الكرام،

تحية طيبة وبعد،

أرباب أبوكيف 

جنيف – ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٥

في إطار مشاركة اتحاد مراكز حقوق الإنسان السودانية ومنظمة الفجر للسلام والتنمية وحقوق الإنسان في الدورة الستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، تم إلقاء بيان شفوي نيابة عن منظمات حقوق الإنسان السودانية خلال الحوار التفاعلي، تحت البند الرابع من جدول أعمال المجلس .

يشهد السودان منذ اندلاع النزاع المسلح بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع حالة من الفوضى والعنف الممنهج، زاد من خطورتها دخول الجماعات الإسلامية المتطرفة على خط الصراع، تحت شعارات دينية تُخفي وراءها أجندات سياسية وعسكرية تهدد أمن السودان والمنطقة بأسرها.

لقد استخدمت هذه الجماعات الخطاب الديني لتبرير العنف والتحريض على القتال، مما حول النزاع من صراع سياسي إلى حرب عقائدية ذات طابع طائفي خطير.

وقد أدى ذلك إلى تفكك النسيج الاجتماعي، وانتشار الكراهية والتمييز، بل وصل الأمر إلى تجنيد الأطفال تحت مسميات “الجهاد” و“النصرة”، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني واتفاقية حقوق الطفل.

كما أن الجماعات الإسلامية المسلحة وسّعت نشاطها عبر تهريب السلاح والمقاتلين والذهب، وغسل الأموال لتمويل عملياتها، الأمر الذي أسهم في زعزعة استقرار المنطقة وتهديد الأمن والسلم الدوليين.

وتشير الأدلة الميدانية إلى أن جماعات مثل كتائب البراء وكتائب المجاهدين تعمل ضمن أو بالتنسيق مع الجيش السوداني، وترتكب جرائم موثقة ضد المدنيين، وهو ما يجعل الدولة السودانية مسؤولة قانونيًا عن تلك الأفعال بموجب قواعد المسؤولية الدولية.

أيها الحضور الكريم،

إن ما نشهده اليوم في السودان ليس حدثًا معزولًا، بل هو امتداد لمرحلة طويلة من الحكم الإسلامي السياسي الذي استمر ثلاثة عقود متتالية، منذ عام 1989 وحتى 2019، تحت ما سُمّي بالمشروع الحضاري الإسلامي.

في تلك الفترة تم تسييس الدين وتحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات حزبية، وتمكين الجماعات الإسلامية داخل الجيش والأمن، وقمع الحريات واستغلال الموارد لتمويل أنشطة متطرفة.

لقد كان لذلك أثر بالغ في تأسيس بيئة فكرية وتنظيمية متشددة لا تزال تدمر السودان حتى اليوم.

إن تصاعد نفوذ هذه الجماعات يمثل تهديدًا حقيقيًا للأمن والسلم الدوليين، لما له من تداعيات تتجاوز حدود السودان.

فقد ساهم نشاطها في انتقال المقاتلين الأجانب عبر الحدود إلى مناطق نزاع أخرى، وفي نشر الفكر المتطرف في بعض الدول المجاورة التي كانت تعيش استقرارًا نسبيًا، كما استغلت بعض الجماعات الممرات البحرية الحيوية لتأمين التمويل والتهريب، مهددة بذلك سلامة طرق التجارة الدولية.

إضافة إلى ذلك، فإن تمدد هذه الجماعات ألهم تنظيمات أخرى في مناطق مختلفة من القارة على محاكاة التجربة السودانية، مما أدى إلى تفاقم النزاعات الداخلية وعرقلة جهود التنمية والسلام.

إن هذا الواقع يعكس بوضوح الترابط بين الأمن المحلي والإقليمي والدولي، ويؤكد أن تجاهل الأزمة في السودان ستكون له انعكاسات تتجاوز حدوده الجغرافية.

ومن هنا، فإن الدور المطلوب من مجلس حقوق الإنسان والمحكمة الجنائية الدولية أصبح أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

فمجلس حقوق الإنسان مدعو إلى تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة بشأن الانتهاكات، وتعيين مقرر خاص لحقوق الإنسان في السودان، وعقد جلسة استثنائية عاجلة لحماية المدنيين.

كما يجب على المجلس أن يوصي بإحالة الملف السوداني إلى المحكمة الجنائية الدولية، لمحاسبة كل من تورط في ارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، سواء من الجماعات الإسلامية المسلحة أو من القادة الذين سهلوا أو أمروا بارتكابها.

السيدات والسادة،

إن الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها هذه الجماعات – من قتل خارج نطاق القانون، وتعذيب، وتجنيد أطفال، وعنف جنسي، واستهداف للمدنيين والمستشفيات ودور العبادة – تشكل خرقًا فاضحًا للمادتين (7) و(8) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

وعليه، فإننا نوصي بما يلي:

1. تشكيل لجنة تحقيق دولية بإشراف مجلس حقوق الإنسان.

2. إحالة الوضع في السودان إلى المحكمة الجنائية الدولية.

3. فرض عقوبات على الدول والكيانات التي تموّل الجماعات المتطرفة.

4. دعم منظمات المجتمع المدني في توثيق الانتهاكات وتعزيز العدالة الانتقالية.

5. إصلاح المؤسسة العسكرية لضمان حيادها.

6. إطلاق عملية سلام شاملة تقوم على العدالة والمساءلة.

السيدات والسادة،

إن تحقيق العدالة في السودان ليس قضية وطنية فحسب، بل هو ضرورة إنسانية وأمنية عالمية.

فإفلات الجماعات الإسلامية المتطرفة من العقاب يشجع غيرها في المنطقة والعالم على اتباع النهج ذاته، ويهدد الأمن والسلم الدوليين برمتهم.

ختامًا، إن رسالة هذه المذكرة واضحة:

لا يجوز أن يُستخدم الدين لتبرير القتل، ولا أن يُتخذ الإيمان ستارًا للجريمة.

العدالة يجب أن تسود، والمساءلة يجب أن تتحقق، حتى لا تتكرر المأساة مرة أخرى في السودان أو في أي مكان آخر من هذا العالم.

 

شكرًا لحسن استماعكم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!