رأي

حين يصبح السلام شجاعة والحرب ملاذ الجبناء

صفاء الزين

 

صفاء الزين

ليست كل الحروب دليلاً على القوة، كما أن استمرارها لا يعني بالضرورة امتلاك أصحابها للشجاعة أو الرؤية. ففي أحيان كثيرة تصبح الحرب غطاءً يختبئ خلفه العاجزون عن مواجهة الحقائق، ووسيلة للهروب من الاستحقاقات الوطنية التي تفرضها معاناة الشعوب وآلامها اليومية.

في السودان اليوم، وبعد سنوات من الدمار والنزوح والانهيار الاقتصادي، يزداد السؤال إلحاحاً: من الذي يستفيد من استمرار هذه الحرب؟ ومن الذي يدفع ثمنها الحقيقي؟ الإجابة لا تحتاج إلى كثير عناء. فالثمن يدفعه المواطن البسيط الذي فقد منزله ومصدر رزقه وأمنه ومستقبل أبنائه، بينما يستمر دعاة الحرب في ترديد الشعارات ذاتها التي لم تنتج سوى المزيد من الخراب.

إن أخطر ما في الأزمة السودانية ليس المعارك العسكرية وحدها، بل الإصرار على رفض كل المبادرات والفرص التي يمكن أن تقود إلى وقف القتال وفتح الطريق أمام تسوية سياسية تنهي معاناة الملايين. فحين تصبح الحرب هدفاً في حد ذاتها، لا وسيلة لتحقيق غاية وطنية، فإنها تتحول إلى مشروع تدمير شامل للدولة والمجتمع معاً.

لقد أثبتت التجربة أن الشعوب المنهكة لا تبحث عن الانتصارات الخطابية ولا عن المزايدات السياسية، بل تبحث عن الأمن والاستقرار والغذاء والدواء والتعليم وفرصة الحياة الكريمة. وهذه المطالب البسيطة لا يمكن تحقيقها عبر المدافع والطائرات والمواجهات المفتوحة، وإنما عبر الحوار والإرادة السياسية والاعتراف بأن السلام هو الطريق الوحيد لإنقاذ البلاد.

وفي المقابل، يثير الصمت تجاه قضايا تمس حياة المواطنين وسيادة الوطن تساؤلات مشروعة حول أولويات من يديرون المشهد. فحين يتعرض المدنيون للأذى وتُراق الدماء وتُنتهك الحقوق، يصبح من واجب القيادة الوطنية أن تتحدث بوضوح وأن تدافع عن مواطنيها بلا تردد أو مواربة. أما تجاهل الحقائق أو البحث عن مبررات لها فلا يؤدي إلا إلى تعميق الشعور بفقدان الثقة وتوسيع الفجوة بين السلطة والمجتمع.

إن القيادة الحقيقية لا تُقاس بطول أمد الحرب، وإنما بالقدرة على إنهائها. ولا تُقاس بعدد الخطب والتصريحات، وإنما بحجم المسؤولية الأخلاقية والوطنية تجاه الناس. فالقادة الذين تصنعهم الأمم هم أولئك الذين يختارون إنقاذ شعوبهم عندما تتاح فرصة الإنقاذ، لا الذين يطيلون أمد المأساة بحثاً عن مكاسب سياسية أو أوهام انتصار.

لقد آن الأوان لأن ينتصر صوت العقل على ضجيج البنادق، وأن يدرك الجميع أن السلام ليس علامة ضعف كما يحاول البعض تصويره، بل هو أعلى درجات الشجاعة السياسية. فالحروب يصنعها المتعصبون والمغامرون، أما السلام فيصنعه الشجعان الذين يضعون مصلحة أوطانهم فوق كل اعتبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!