رأي

أربعون يوماً على الرحيل المر

دكتور عادل ود سهل يكتب..

 

دكتور  عادل سهل

﴿ وَإِذَا ٱلْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ۝ بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ ﴾

أشرقت شمس هذا اليوم وقد مرّت أربعون يوماً على رحيلكم المرّ.

أربعون يوماً والدموع لم تجف.

أربعون يوماً والقلوب ما زالت تنفطر.

أربعون يوماً والبيوت معلّقة بين الصمت والنشيج، والطرقات بين أثر الخطى وغياب أصحابها.

بعد أربعين يوماً طلع علينا الفجرُ ليس ككل فجر؛ إذ تبددت سرايا العزاء في الطرقات، وغدت مضارب المجانين مرافع للفقد الكبير.

أربعون يوماً في حضرة الدمع حين تعجز العبارة، يقف المجانين على عتبة الذاكرة، ينظرون إلى النخل عاليًا لا يهتز ولا ينحني إلا حين تتثاقل عليه غيبة الكبار.

أربعون يوماً وقد بدأ الصبحُ المثقل بندبة الغياب، نشتم فيه ريح الأطراف التي تكنس الدروب من أثر الفرسان.

منذ أربعين يوماً رحل الناظر سليمان جابر جمعة سهل، الذي أودع العشيرة في ضلوعه، وأسكن الوطن في صوته، فصار كل بيت في القبيلة قبراً صغيراً، وكل ديوان محراب انتظار.

أربعون يوماً ولم يمت الناظر أبو جابر وحده؛ بل غاب في جمرة الغياب كل سند ونخلة وأغنية كانت ترفرف في قلب القبيلة، وانكسر شموخ الأرض حين تداعت أعمدة الحكمة، وذاب ود العشيرة في ملح الدموع، لم يرتحل وحده، بل صحبته قافلة من رجال المجد.

منذ أربعين يوماً رحل العمدة عبد الحفيظ حسن محمد ناصر (أبو ركوك)، العمدة محمد الأمين محمد أحمد عجبنا (عبود)، الحاج إبراهيم أبو جميراية، الشيخ محمد العبيد محمد جمعة سهل، البخاري مشاور جابر جمعة سهل، محمد إبراهيم جابر جمعة سهل، النيل إبراهيم جابر جمعة سهل، النذير ميدوب جمعة سهل، محمد حامد محمد محمود (حاج عبيد)، جمعة مردس مادبو (عتريس)، جمعة تريكاوي، السيد عطية النور، محمد السيد سليمان الزين، جابر حمد عبد الله سليمان، يونس محمد علي الطيب، خليفة مفرح جابر، مولانا يوسف حامد جبر الله، محمد أحمد أبو جريد، عبد الباقي محمد فرج، يوسف أحمد يوسف (أبو أم حليب).

كل هذه الأسماء الوضيئة كانت أسماء للمجد وللعز وللعزم؛ زرعهم الزمن في التربة ليكونوا ذاكرة المجانين كلما أخضرت الأرض أو جفّت السنابل.

هذه الأسماء لم تكن يوماً حروفاً تُكتب، بل كانت أجنحة للكرامة، وأكتافاً للسند، وصدى للبشالة المغروسة في رحم القبيلة منذ القدم؛ كانوا يمشون كأن الأرض تعرف خطاهم، وتفسح لهم الطريق كما تفسح الريح للغصن الندّ، كانوا يمشون في طرقات القبيلة كأن الصبر يمشي على قدمين.

منذ أربعين يوماً تحوّل كل بيت إلى مأتم، وبقي كل زقاق ينصت لحزن لا يُقال. ظلت المناقب تختنق في حناجر الرجال كلما أمسكت يد الفجيعة أنشوطة الذكرى حول الاسم، ويترمّد الحنين على حجارة ظلّت شاهدة أن الصبر أعلى من الحزن وأبقى من الموت. لم نجد حبرًا يسعفنا لنرثي من عاشوا زاداً للناس، وأماناً للهوية، ووشماً لا يمحوه مرّ الزمن ولا عواصفه.

أربعون يوماً يا دار المجانين.

والمجالس صامتة، لا تهزّها إلا الحكايات القديمة.

والبيوت خاوية إلا من أثر أصوات كانت تصنع صبح القبيلة.

والذاكرة تُقلب كأنها دفتر دم… كل صفحة فيه تفتح جرحاً جديداً.

أربعون يوماً ولا يزال السؤال معلّقاً في حلق الزمن:

كيف تسقط كل هذه الهامات في غفلة من عدل الأرض؟

كيف تصمت الجبال ولا ترتجف السماء حين يرحل من حملوا وصيّة المجانين جيلاً بعد جيل؟

أربعون يوماً ونحن نبكيكم أيها الراحلون.

يا رجال القبيلة يا رجال المجانين.

إن فجيعتنا ليست في موتكم، بل في الفراغ الذي خلّفه الكبار حين يغادرون.

في المقاعد التي تنتظر ضحكتكم، في الدرب الذي ينتظر خطواتكم، في القهوة التي بردت لأن اليد التي كانت تصبّها ارتحلت.

أربعون يوماً يا أبناء المجانين.

الفاجعة ليست نهاية…

الفاجعة بدء آخر.

بدء عهد تُحمل فيه الأسماء على الظهور، وتُرفع فيه الوصايا كأنها رايات صبر.

من المزروب حتى آخر نجم في ربوع ديار المجانين.

لن يُكتب المجد إلا بصبر جديد، ولن تُحرس الذاكرة إلا بأيدٍ تحفظ العهد ولا تساوم عليه.

أربعون يوماً ونجدّد العهد والوعد بأنه لن يُكتب المجد إلا بصبر جديد، ولن تُحرس الذاكرة إلا بأيدٍ تحفظ العهد ولا تساوم عليه، إن دماء الناظر وأصحابه ليست قصة تُروى، هي وصية:

(لا تبيعوا الموقف، لا تهادنوا الدخيل، لا تفرّطوا في الكرامة، واجعلوا من الحزن محراباً للصحوة).

أربعون يوماً ونحن نقول لمن خان أو غدر أو لوّن وجهه:

هؤلاء الرجال لم يكتبوا وصاياهم بالحبر.

كتبوها بالدم.

والدم لا يمحوه اعتذار، ولا تغسله محكمة، ولا يخونه الزمن.

المجد عند المجانين ليس شعاراً… بل ذاكرة من نار.

والذاكرة لا تنطفئ.

اليوم يا قبيلة المجانين ونحن نقف على عتبة الأربعين، لا لنختم الحديث، بل لنفتحه:

يمضي الكبار ولا يموت المجد.

ترحل الأجساد وتبقى السيرة مشتعلة كجذوة، ترشدنا حتى لو أظلم الليل.

اليوم نكتب بالعهد، لا بالدموع.

نرفع راية من ذهب لا تنحني، ونرسم في الفقد جسراً للعودة، للتماسك، للكرامة التي ورثناها عن رجال كانوا أعظم من أن يدفنهم التراب.

أربعون يوماً مرت يا نساء المجانين، ويا أمهات الشهداء، ويا زوجات ترمّلن على عجل، ويا بنات كبرن في ليلة واحدة؛ ما كان البكاء يوماً عاراً، ولا النشيج نقصاً في مقامات الصبر، أنتن الحافظة الأولى للعهد؛ في حليبكن تُسقى الحكايات، وعلى وسائدكن تنام وصايا الكبار، من بين أهدابكن تولد الأجيال التي ستعرف أن آباءها لم يرحلوا هزيمة، بل صعدوا إلى الله وهم يحملون مفاتيح العز في أيديهم.

أربعون يوماً وأنتم يا صغار المجانين، يا الذين استيقظتم على مقاعد فارغة وعباءات معلّقة على الجدران؛ لا تخافوا من طول الليل، فإن سيرة آبائكم قنديل لا ينطفئ، وتاريخهم لحاف يدثّر قلوبكم في برد الأيام.

أربعون يوماً يا أبناء المجانين، اليوم تُطوى صفحة وتُفتح أخرى؛ جاءت ساعة التحمّل بلا تردد، وجاء وقت الوقوف من جديد على جناح القسم والعرق، لا يُكتب المجد إلا بالصبر، ولا يُروى النبأ إلا بذكر الأفعال التي أرّخت للقبيلة يوم ضاقت البلاد، وتلاشت الحصون إلا حصن المجانين.

أربعون يوماً والناظر لم يكن وريثاً لسلالة المجد فقط؛ بل كان فتحاً في تاريخ الشجاعة، ومقاماً في خارطة أهل الجودية والهداية، كان يقسّم أيامهم كأنها أفراح، ويجمع فراغهم على مجلس لا يعلوه إلا اليقين.

أربعون يوماً ومن ساروا معه من العمد والمشايخ لم يغادروا إلا بعدما سلّموا مفاتيح الأرض إلى صدور أحفادهم: لا تبيعوا الموقف، لا تهادنوا الدخيل، لا تفرّطوا في الكبرياء، واصنعوا من الحزن محراباً للصحوة، ودائرة للسلام.

أربعون يوماً ونعلنها أن هذا الموت ليس نهاية، بل بدء عهد جديد؛ حيث يلفّ اليتم شملنا لنحفظ دمعة كبيرة، وندسّ في القلب عهدًا أكبر: ألا يُباع الذكر، وألا يُخدش وجه الصف، وألا تموت القبيلة إلا حين يموت العهد.

أربعون يوماً ونعلنها اليوم مدوية للمنافقين والمحرّضين وأصحاب الوجوه المتبدّلة نقول:

أقدار الدم لا تغسلها الكلمات، وأيام الحساب لا تؤخرها المحاكم، المجد في ذاكرة المجانين لا يُمحى، وعزائمهم لا تُباع، وأسفار التراب تحفظ الأسماء كما تحفظ النار أثر الحديد، دمنا أمانة، وتاريخنا لا يصله الغبار؛ تسقط المحاكم، وتبقى قبيلة المجانين عارية إلا من المشهد والقسم والذكريات، ويوم الحساب وساعة القصاص ليست بعيدة.

أربعون يوماً يا أهلي المجانين، الآن لا نختم الحديث بل نفتحه على العزم والعهد الجديد: يمضي الكبار ولا يموت المجد، وتبقى السيرة قنديلاً يهدي الصفوف، ويعلّم الصبر، ويخلّد الأسمى من الأسماء، ليس دورنا أن نبكي وحدنا، بل أن نشيّد من تباريح الوجع جسراً للعودة إلى الصف القوي، إلى الرأي، إلى سعة الجود والكرامة التي علّمنا إياها الناظر ورفاقه.

في ذكرى الأربعين وفي كل يوم وفي كل ليل تسكن فيه الرياح ينادي تراب المجانين: من يحسن الوقفة بعد الكبار؟ من يحصي الأسماء بلا أن ينقص حقاً ولا ينكر وفاء؟ من يملك في مجلس الحكمة عطراً يشبه رائحة القهوة الأولى في الصباح، وجرعة ثبات تشبه ائتلاف الصف وقت المعركة؟

أربعون يوماً فقد رحلوا وبقيت الأرض وفية، وحفظت جدران الدواوين أنين العزاء وطعم الحكمة، وبقي العزاء كبيراً على قدر الفقد، وسيبقى الضوء من المزروب حتى آخر حلة في العشيرة دليل النجاة؛ وباصطفاف القلوب على الذكرى يولد فجر القبيلة في عتمة الحزن، يروي الأرض من ندى الغياب أغنية مجيدة لا ينساها أحد، ولا يطفئها الزمان.

﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا ٱللَّهَ عَلَيْهِ ﴾

﴿ وَالصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَاءِ وَٱلضَّرَّاءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ ﴾

﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾

أربعون يوماً ونحن نترحم على من غاب بجسده وبقيت سيرته تضيء العتمة، من كتبوا بدمهم وصية المجانين للزمان، وعلّموا أن الرجال لا تموت حين يُخلَف الشرف، بل يولد الشرف في كل فجر جديد. ليس لنا بعدهم إلا أن نُعمّر ما هدمت الريح، ونربط جراحنا بالعهد الجديد: ألا يُباع شرف، ولا يُصرف موقف، ولا يُنسى العهد، وتظلّ المجانين جناح المجد في صدر السودان، وحلماً كبيراً لا ينطفئ مهما بكت البواكي، ومهما طال النواح، رحم الله الراحلين، ورحم الأرض التي ضمّت أجسادهم، وجعل سيرتهم نهراً من نور، لا يخفت مهما مرّت السنون، ولا ينطفئ مهما اشتدّ البلاء.

دموع عادل ود ود سهل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!