
عينة زايد
في زمن أصبحت فيه التكنولوجيا جزءًا لا يتجزأ من تفاصيل حياتنا اليومية، تحول الهاتف الجوال من وسيلة للتواصل وتقريب المسافات إلى أحد أخطر التحديات التي تواجه استقرار الأسرة الحديثة. فبينما صُمم الهاتف ليجمع الناس ويقرب بينهم، أصبح في كثير من البيوت سببًا في اتساع المسافات العاطفية بين الزوجين، وصناعة جدران صامتة من الجفاء واللامبالاة.
لم تعد المشكلة في امتلاك الهاتف أو استخدامه، وإنما في تحوله إلى مركز الاهتمام الأول داخل المنزل، حتى بات بعض الأزواج يمنحون أجهزتهم الذكية وقتًا واهتمامًا يفوق ما يمنحونه لأسرهم. فتجلس الزوجة إلى جوار زوجها ساعات طويلة، لكنه يكون غارقًا في متابعة الرسائل والمجموعات والمنشورات ومقاطع الفيديو، حاضرًا بجسده وغائبًا بعقله وروحه.
ومع تكرار هذا المشهد يومًا بعد يوم، تتسلل مشاعر الوحدة إلى قلب الزوجة، ويبدأ الإحساس بالإهمال والتهميش في التراكم بصمت. فالمرأة لا تحتاج إلى وجود مادي فحسب، وإنما تحتاج إلى الحوار والاهتمام والمشاركة الوجدانية التي تمنح الحياة الزوجية معناها الحقيقي. وعندما يحل الهاتف محل هذه القيم، تتعرض العلاقة لتآكل تدريجي قد لا يُلاحظ في بدايته، لكنه يترك آثارًا عميقة مع مرور الوقت.
إن أخطر ما تسببه الهواتف الذكية ليس ضياع الوقت وحده، بل سرقة اللحظات الجميلة التي لا تعوض داخل الأسرة. فكم من أسرة تجلس في غرفة واحدة بينما يعيش كل فرد في عالمه الافتراضي الخاص، وكم من زوجة تنتظر كلمة طيبة أو حديثًا دافئًا أو اهتمامًا صادقًا، فيسبقها إشعار جديد أو رسالة أخرى على شاشة الهاتف.
لقد وضع الإسلام منهجًا متوازنًا للحياة، يقوم على إعطاء كل ذي حق حقه، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لربك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، فأعطِ كل ذي حق حقه». وهي قاعدة عظيمة تؤكد أن نجاح الإنسان لا يقاس بحجم تفاعله في العالم الرقمي، وإنما بقدر وفائه بمسؤولياته تجاه أسرته وأهله ومن يحب.
إن الأسرة السعيدة لا تُبنى بالشاشات، بل بالكلمة الطيبة، والاهتمام الصادق، والجلوس المشترك، والاستماع المتبادل. ولذلك فإن الحاجة أصبحت ملحة لإعادة ترتيب الأولويات وتنظيم الوقت، حتى لا يتحول الهاتف من نعمة نافعة إلى سبب في برود العلاقات وغياب المودة.
فليكن الهاتف وسيلة لخدمة حياتنا لا سيدًا يتحكم فيها، ولنتذكر دائمًا أن أعمارنا قصيرة، وأن أجمل اللحظات هي تلك التي نقضيها مع من نحب، لا تلك التي تضيع بين الإشعارات والشاشات.




