رأي

الرهان الخاسر: كيف أسهم الدور المصري في تعميق مأساة السودان

ادم بركة دفع الله عطية

 

 آدم بركة دفع الله عطية

لم تكن مصر في مأساة السودان مجرّد جارٍ قَلِق أو مراقبٍ مرتبك، بل كانت—ولا تزال—فاعلاً أساسياً أسهمت خياراته السياسية والأمنية في تعقيد المشهد ودفعه نحو الانفجار. فبداية الكارثة ارتبطت بتحريضٍ واضح على الانقلاب على الحكومة المدنية برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك، حين رأت القاهرة في المسار الديمقراطي السوداني تهديداً لنموذجها الإقليمي، فسعت إلى استبداله بنموذج أمني مُستنسخ، يقوم على حكم العسكر واحتكار المجال العام

في هذا السياق، أُغري الفريق عبد الفتاح البرهان بوهمٍ بالغ الخطورة: أن يكون «السيسي (2)» في السودان. قُدّمت له وصفة جاهزة مفادها أن الشارع يمكن كسره بالقوة، وأن الثورة السودانية—بعمقها الاجتماعي وتنوّعها—يمكن تفريغها واستبدالها بحراكٍ مُصنّع تقوده مجموعات جرى تدجينها في القاهرة لتكون واجهة زائفة للثورة. ووُعد البرهان بتقديمه للعالم بوصفه «قائداً موثوقاً للجيش»، تمهيداً لانتخابات مُفصّلة تمنحه شرعية شكلية، على غرار ما جرى في مصر.

غير أن هذه الخطة قامت على جهلٍ فادح بطبيعة السودان. فالسودان ليس دولة متجانسة تُدار بنموذج أمني واحد، بل بلد شديد التعدّد في الأعراق والثقافات وموازين القوة. لا يمكن اختزاله في نخبةٍ ضيقة تحتكر المؤسسات وتطلب رضا القاهرة لقربها الجغرافي والسياسي. هذا التنوّع جعل أي محاولة للهيمنة القسرية وصفة مؤكدة للفوضى، لا للاستقرار.

الأخطر أن القاهرة أساءت تقدير طبيعة الجيش السوداني نفسه. فهو ليس جيشاً عقائدياً منضبطاً على شاكلة الجيش المصري، بل مؤسسة مخترَقة، هشّة البنية، ومتعدّدة الولاءات. لذلك لم يكن الانشقاق ولا انفجار الحرب ولا عودة الإسلاميين إلى الواجهة أحداثاً طارئة، بل نتائج طبيعية لمغامرة إقليمية غير محسوبة العواقب. ومع ذلك، واصلت مصر الرهان الخاسر: دعمت البرهان سياسياً وعسكرياً، فتردّد الحديث عن إسنادٍ جوي وذخائر، واستضافت حكومته الهاربة، وفتحت منابرها لأبواق الحرب من الكيزان والنخب الموالية.

لكن حصيلة هذا الرهان كانت فشلاً مركّباً. فشل البرهان في الحسم العسكري، وفشل في إدارة الدولة، وفشل حتى في احتواء الدمار الذي ألحقه بالبلاد. ومع هذا الفشل المتراكم، ما تزال القاهرة تتصرّف بعقلية الوصاية، وكأن وحدة السودان أو تقسيمه قرار يُتخذ خارج حدوده. والحقيقة الصادمة أن وحدة السودان لا تقع ضمن «الخطوط الحمراء» المصرية، ولا تملك القاهرة القدرة على فرضها. فقد رفضت مصر سابقاً انفصال جنوب السودان، ومع ذلك وقع الانفصال دون رأيها أو موافقتها، لأن القرار الحقيقي كان بيد لاعبين دوليين أكثر نفوذاً.

اليوم، تحوّل السودان إلى ساحة صراع إقليمي ودولي مفتوح. وأي تدخل عسكري مصري مباشر سيكون مقامرة مدمّرة بثمنٍ إنساني فادح. فالدخول إلى هذا المستنقع ليس كالخروج منه، وتجربة مصر في اليمن شاهدٌ قريب على كلفة المغامرات الخارجية حين تُبنى على أوهام القوة السريعة.

أما ما يُسوَّق عن اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والسودان، فهو تضليل متعمّد. فهذه الاتفاقية تعرّضت للتعليق والإلغاء في مراحل سابقة: بعد سقوط نميري، طالب جون قرنق بإلغائها، ثم أقدم الصادق المهدي على إلغائها عقب خلافه مع القاهرة. وعادت مصر لترتكب خطأً استراتيجياً جديداً بدعم انقلاب البشير على حكومة الصادق المهدي، وهو دعمٌ أسهم في تفجير حرب الجنوب وانتهى بتقسيم البلاد.

أي تدخل مصري مباشر اليوم سيُخرج القاهرة من إطار «الرباعية»، ويفتح الباب واسعاً أمام تدخلات إقليمية ودولية أشد قسوة. ومن السذاجة الاعتقاد بوجود حياد دولي كامل؛ فالدعم السريع ليس بلا رعاة، ودول الجوار تتحرّك وفق حسابات أمنها القومي، كما فعل سلفاكير حين أعاد ترتيب المشهد وأدخل الدعم السريع لاعباً معترفاً به دون اتفاقيات رسمية.

إن ما يحدث في السودان ليس فشلاً سودانياً محضاً، بل نتيجة مباشرة لتدخلات خارجية قصيرة النظر، وفي مقدمتها التدخل المصري. تدخلٌ لم يُنتج سوى حربٍ مفتوحة، ودمار شامل، ومستقبلاً أكثر ظلاماً للسودان—ولمصر نفسها—ما لم يُراجع هذا الرهان الخاسر ويُستبدل بدعمٍ حقيقي لمسار مدني ديمقراطي يضع مصلحة الشعوب فوق أوهام الوصاية والقوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!