رأي

مصر والبرهان!عندما تتحول السيادة السودانية إلى ورقة في حسابات الخارج

فاطمة لقاوة

 

فاطمة لقاوة

لم يعد السؤال المطروح في السودان اليوم هو من يقاتل من، ولا أين تدور المعارك، بل من يملك القرار السيادي للدولة السودانية؟ ومن الذي يرسم حدود الحركة السياسية والعسكرية للسلطة القائمة في بورتسودان؟ فكلما تعمقت الحرب، برزت مؤشرات جديدة على حجم التأثير الخارجي في صناعة القرار السوداني، وعلى رأسه الدور المصري الذي بات حاضراً في تفاصيل المشهد أكثر من أي وقت مضى.

أثار حديث الفريق أول عبد الفتاح البرهان بشأن قصف المعدنين السودانيين موجة واسعة من الجدل والغضب، ليس فقط بسبب طبيعة الحادثة، وإنما بسبب الطريقة التي تم بها التعاطي معها، فبدلاً من موقف حاسم يدافع عن المواطنين وسيادة الأرض السودانية، جاءت التصريحات مرتبكة ومترددة، وكأن صاحبها يحاول تفادي تسمية الفاعل أو تحميله المسؤولية السياسية والأخلاقية.

هذه الحالة ليست حادثة معزولة، بل تعكس أزمة أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة المشبوهة بين السلطة العسكرية في السودان وبعض مراكز النفوذ الإقليمية، وفي مقدمتها مصر، فمنذ إندلاع الحرب، بدا واضحاً أن القاهرة تنظر إلى المؤسسة العسكرية السودانية بإعتبارها الضامن الرئيسي لمصالحها الإستراتيجية، سواء في ملف الأمن الإقليمي أو قضية مياه النيل أو التوازنات الجيوسياسية في المنطقة.

هنا يمكن فهم حالة القلق التي ظهرت في بعض الدوائر السياسية والإعلامية المصرية مع كل تقدم ميداني تحرزه قوات الدعم السريع، خصوصاً في المناطق ذات الأهمية الإستراتيجية، فالأمر بالنسبة للقاهرة لا يتعلق فقط بمصير مدينة أو معركة، بل بمستقبل نفوذ سياسي وأمني إستثمرت فيه لسنوات طويلة.

يمثل محمد حمدان دقلو “حميدتي” نموذجاً مختلفاً في نظر صناع القرار المصري، فهو ليس نتاج المؤسسة العسكرية التقليدية المرتبطة تاريخياً بعلاقات ذات طابع أقرب للتدجين و التبعية مع القاهرة، بل يُعتبر الجنرال حميدتي فاعل سياسي وعسكري يمتلك شبكات تحالف مستقلة ورؤية مختلفة لموقع السودان في محيطه الإقليمي، ولذلك تنظر إليه بعض الدوائر المصرية بإعتباره شخصاً يصعب إحتواؤه أو التأثير المباشر عليه.

الأخطر من كل ذلك أن السودان أصبح ساحة مفتوحة لصراع الإرادات الإقليمية، بينما يدفع المواطن السوداني الثمن من دمه وأمنه ومستقبل دولته،فالدول يجب أن تُبنى على إستقلال القرار الوطني، لا على التبعية، والسيادة لا تُجزأ ولا تُؤجَّل بحجة الحرب أو التحالفات المؤقتة.

الأزمة الحقيقية لم تعد في حجم التدخلات الخارجية فحسب، بل في إستعداد بعض النخب الحاكمة لقبول تلك التدخلات والتعايش معها بإعتبارها ثمناً للبقاء في السلطة، وهنا يكمن جوهر المأساة السودانية: دولة تتآكل سيادتها من الداخل قبل أن تُستباح من الخارج.

التاريخ علمنا أن الشعوب لا تنسى من دافع عن كرامتها الوطنية، كما لا تغفر لمن فرط في سيادتها أو جعل قرارها الوطني رهينة لمصالح الآخرين.

السودان،سيخرج من هذه الحرب عاجلاً أم آجلاً، لكن السؤال الذي سيبقى مطروحاً هو: من الذي حافظ على إستقلال الوطن، ومن الذي باعه في سوق التحالفات الإقليمية؟

ولنا عودة بإذن الله

الخميس،٢٥يونيو/٢٠٢٦م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!