رأي

كيف يستقيم الظل و العود اعوج 103؟

الصديق المريود

الأول من يوليو: حين اجتمع الفرقاء وولد الأمل من رحم المستحيل

في صباحٍ نديّ، من يومٍ لا يُنسى، وافق الأول من يوليو 2025، توقفت عقارب الزمن لحظة، كأنّها تنتظر أن تكتب التاريخ بحبرٍ جديد، لا يكتبه المنتصرون وحدهم، بل يكتبه المجروحون أيضًا، والناجون، وأولئك الحالمون الذين لم يفقدوا الأمل رغم أن الخراب كان طاغيًا في سنوات الرماد. في هذا اليوم، خرج السودانيون من ضيق التيه إلى فسحة الاحتمال، وولدت الهيئة القيادية لتحالف السودان التأسيسي، كأنها الشجرة التي ظنّها الناس يابسة، فإذا بها تورق فجأة في عزّ الجفاف.

“في الليلة الظلماء يُفتقد البدر”

لم يكن التحالف التأسيسي مجرد اتفاق بين نخبٍ سياسية، بل كان لحظة وعيٍ جمعي، ارتقى فيها الشعب فوق خلافاته، وعَبَر أخيرًا إلى ضفة التأسيس بعد أن ظل عالقًا لعقود في ضفة التنازع والتآكل الذاتي. من جبال النوبة، إلى دارفور، من الشرق إلى كردفان، من النيل الأزرق إلى الخرطوم التي أنهكها النزيف، جاءوا جميعًا، لا تحت راية أيديولوجيا ولا عصبية جهوية، بل تحت ظل شجرة الوطن الواحد. فقد اجتمع من كانوا بالأمس أعداء، على طاولة واحدة، بعد أن علمتهم المآسي أن لا منتصر في الحرب، وأنّ السلام وحده هو الباب المفتوح نحو الكرامة.

وعلى رأس هذا التحالف التاريخي وقف الامير المشير محمد حمدان دقلو (حميدتي) رئيسًا، وإلى جانبه القائد الفذ الجنرال عبد العزيز الحلو نائبًا له، في مشهدٍ غير مسبوق، لا تفسّره المعادلات السياسية القديمة، بل تشرحه روح التأسيس الجديدة. حميدتي، القادم من عمق الريف ومن تربة الرعاة، الذي عرفته الساحات لا المؤتمرات، جاء اليوم ليتحول من قائد ميداني إلى مؤسس لرؤية وطنية تسعى لبناء دولة لا تميّز بين هامش ومركز. رجلٌ أثبت أنه ليس حبيس صورته القديمة، بل قادر على التجاوز والتحوّل والنضج السياسي. أما عبد العزيز الحلو، الذي طاف في غابات الجنوب ووديان الجبال، وبنى مجده من صوت المهمشين، فهو ضمير الذين لم تُسمع أصواتهم من قبل. عرفه الناس قائداً صلباً، لكنه اليوم قدّم نفسه شريكاً في البناء، لا خصمًا في الصراع. ومثلما يقول المثل العالمي: “الأبطال الحقيقيون لا يصنعون الضجيج، بل يصنعون الفرق.”
هذه الثنائية القيادية ـ رغم اختلاف المسارات ـ تمثّل صورة السودان الذي نرجوه: ليس وطنًا بلا خلاف، بل وطنًا يحسن إدارة خلافاته، ويحوّل تنوعه إلى مصدر قوة.

أما أعضاء المجلس الـ31، فلم يأتوا كشهود على الورق، بل كشركاء حقيقيين في هندسة المستقبل. منهم من كان في صفوف الحركات المسلحة، ومنهم من أتى من منابر المجتمع المدني، ومن الساحات الشعبية، ومن عروق السودان العميقة. فهذا السيد مكين حامد ترّاب مقررا للتحالف ، الذي لم يخذل قضايا الريف يومًا، وذاك السيد علاء الدين نقد، ناطقًا رسميًا، المتكئ على مسيرة طويلة من النضال المدني. وكما يقول أهلنا: “الما بدورك في الحارة، ما بشيلك في الفَرحة.”

السودان القديم كان دولة المركز، حيث تُصنع القرارات في الخرطوم وتُفرض على الأطراف. لكن هذا التحالف جاء بروحٍ جديدة، تقول: “من لا يشعر بوجع الآخر، لا يملك حقّ القيادة.” فالهيئة تؤمن بأن العدالة لا تبدأ من القصر الجمهوري، بل من قلوب القرى التي لا تصلها الكهرباء، ومن أفواه النساء اللائي لا يجدن من يستمع إليهن.

قد يتساءل البعض عن التأخير في تشكيل الحكومة، لكن الحقيقة أن هذا البطء هو فضيلة لا عيب، ففي بناء الدول، كما في زرع الأشجار، لا يُستعجل الحصاد. وكما تقول الحكاية النوبية القديمة: “التمساح البتعجل، بعضّ في صخر بدل السمك.” الإعلان المرتقب لحكومة السلام سيكون الخطوة التالية، تتبعها مشاورات دستورية، وبناء مؤسسات دولة حديثة تقوم على الشفافية والمشاركة لا على التغوُّل والاحتكار.

الأول من يوليو لن يُنسى، لأنه ليس نهاية طريق، بل بداية جديدة، يتذكر فيها السودانيون أن بإمكانهم الاجتماع لا فقط على الحزن، بل على الأمل أيضًا. في هذا اليوم، تُكتب قصة السودان الجديد، لا بالدم، بل بالحكمة، ولا بالتخوين، بل بالتعافي. وكأن لسان حال الوطن يقول:

“يا وطني الجريح… ما مت، لكنّك نمتَ طويلًا. والآن، آن لك أن تستيقظ.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!