رأي

خِصيَان الخِديَوي إسقاط القداسة و نسف العجرفة. الخِصيَان، عبر التاريخ لم يكونوا مجرد حرّاس حريم داخل القصور كما يتبادر الى الذهن، بل كانوا أدوات سلطة. 

مجدي محمد مصطفى ماكن

 

 مجدي محمد مصطفي ماكن 

في تاريخ الأمم، الخصي ليس مشكلة تاريخية بقدر ما هو عرض. عرض لدوله تخاف النَسَب، تخاف الولاء الحر، وتفضّل العبيد المكسورين على المواطنين الأقوياء الأحرار.

في الصين الإمبراطورية، خصوصا في عهدي هان ومينغ، الخِصيَان صاروا لاعبين كبارا. بيزنطة أيضا تعاملت مع الخِصيَان. الخصي لا يطالب بالعرش لأنه لا يستطيع تأسيس سلالة. هذه ميزة. فتم توظيفهم كقادة جيوش، وزراء، وسفراء.

أما في قصور الأمويين والعباسيين ثم العثمانيين، الخِصيَان لعبوا دورا حساسا في إدارة الحريم، لكن مع الزمن صاروا مفاتيح للسلطة الخلفية.

الخديوية المصرية، كأخر معاقل الإمبراطورية العثمانية في أفريقيا، صممت نوعا آخر من الخِصيَان السياسيون. الذين ليس لديهم “نخوة” او “رجولة” وطنية. وجدت الخديوية ضالتها في نخب المركز النيلي، فقامت بإخصائهم سياسيا و وطنيا، بغرض ابقاء السودان حديقة خلفية.

في التاريخ ايضا توجد نخب قادت شعوبها نحو التحرر، ونخب أخرى يتم “هندستها” بعناية لتقود شعوبها نحو المقصلة و الدمار.

في الحالة السودانية، نحن أمام نموذج فريد ومؤلم لما يمكن تسميته بـ “الأفندي الخصي سياسياً”.

هذه ليست شتيمة، بل هو توصيف سريري لحالة نخبة تم انتزاع “رجولتها الوطنية” وقدرتها على اتخاذ القرار المستقل، لتتحول إلى مجرد “وكيل أعمال” للمستعمر المصري، تحكم السودان نيابة عنه، وباسمه، ولصالح خزانته.

​أولاً: صناعة “المسخ”.. كيف وُلد الأفندي المستلب؟ 

​لم يأتِ هذا النخبوي من فراغ. لقد تمت صناعته في “معامل التبعية”. يرى د. النور حمد ومفكرون آخرون أن التعليم – بشقيه الإنجليزي والمصري – لم يكن يهدف لخلق قادة، بل لخلق “كتبة وموظفين”.

لكن الدور الأخطر لعبته البعثات التعليمية المصرية والمناهج التي صممت بعناية لغسل دماغ الطالب السوداني.

​العملية: تم إقناع هذا “الأفندي” بأن تاريخه كسوداني (كوشي/إفريقي) هو تاريخ “همجية”، وأن التحضر الوحيد المتاح هو أن يصبح “مصرياً” في الثقافة واللسان والملبس.

​النتيجة: نشأ جيل من الساسة يشعر بـ “دونية مركبّة” تجاه المصري. يرى في القاهرة “كعبة العلم والتحضر”، ويرى في نفسه مجرد “تابع” يجب أن ينال رضا السيد في الشمال ليحس بقيمته.

​ثانياً: عملية “الإخصاء السياسي”

​ما معنى أن يكون السياسي “مخصياً”؟

يعني أنه عقيم؛ غير قادر على إنتاج “أفكار وطنية” أو “مشاريع سيادية”. السياسي المخصي لا يمتلك “القدرة البيولوجية” على قول “لا” للمستعمر.

لقد نجحت مصر الخديوية (والجمهورية لاحقاً) في تحويل النخبة السودانية إلى كائنات سياسية منزوعة الإرادة عبر آليتين:

​الإبهار والاحتواء: فتحت القاهرة أبوابها وملاهيها وصالوناتها للساسة السودانيين، فعاشوا فيها ملوكاً صغاراً، لكن الثمن كان “الولاء المطلق”.

​الرعب والابتزاز: من يجرؤ على التفكير باستقلالية، تفتح له “ملفات” الفضائح، أو يتم تدبير انقلاب ضده (كما حدث مراراً).

​هذا الوضع خلق سياسياً سودانياً يرتعد إذا عبس ضابط مخابرات مصري في وجهه، ويهرول لتقديم فروض الطاعة والولاء (والماء والأرض) ليتجنب غضب “الباب العالي”.

​ثالثاً: صفقة البيع.. (الرقصة والدولار)

​اللحظة التاريخية التي تجلت فيها عملية “البيع” كانت مع صلاح سالم (الصاغ الراقص).

لم يكن الرقص مجرد فلكلور، بل كان غطاءً لعملية شراء ذمم واسعة النطاق. دفعت المخابرات المصرية الأموال (التي هي أصلاً ديون على السودان) لشراء ولاءات زعماء الأحزاب والطوائف.

​الصفقة: “نحن (مصر) نضمن لكم البقاء في كراسي الحكم في الخرطوم، وأنتم تضمنون لنا أن يظل السودان (حديقة خلفية) ومورداً للمياه.”

​التنفيذ: وافقت النخبة المستلبة على اتفاقية مياه 1959 المجحفة، وسكتت عن احتلال حلايب، ودمرت الزراعة السودانية لكي لا تنافس المنتجات المصرية. لقد باعوا مستقبل أجيال كاملة مقابل “الرضا السامي”.

​رابعاً: التمكين.. كيف سُلّط “الخِصيَان” على رقاب الشعب السوداني؟

​المعضلة الكبرى لم تكن في خضوعهم لمصر فقط، بل في أن مصر مكنتهم من رقاب الشعب السوداني.

​احتكار الدولة: دعمت مصر هذه النخبة (الوسطية النيلية) للسيطرة على الجيش، والشرطة، والخدمة المدنية، والاقتصاد.

​قمع الهوامش: لأن هذه النخبة “مستلبة” وتكره ذاتها الإفريقية، فقد مارست أبشع أنواع القمع ضد الأقاليم التي تعتز بهويتها (دارفور، الجنوب، الشرق، كردفان، النيل الأزرق). كل من يرفع رأسه مطالباً بحقوقه، كان يُضرب بيد من حديد بتهمة “التمرد” أو “العنصرية”، بينما الحقيقة هي أنهم كانوا يحمون “نموذج الدولة التابعة”.

​لقد أصبح “الأفندي الخصي” هو السجان الذي يحرس سجن الشعب السوداني، ومفتاح السجن موجود في القاهرة.

​خامساً: خيارات الشعب.. طريق الخلاص

​اليوم، والسودان يحترق بسبب فشل هذه الدولة الوظيفية، ما هي خيارات الشعب السوداني للتخلص من هيمنة “الأفندي الخصي”؟

​إسقاط القداسة: أول خطوة للتحرر هي تعرية هذه النخبة. يجب أن يعرف الشارع العام أن هؤلاء ليسوا “زعماء وطنيين”، بل هم “وكلاء استعمار” بوجوه سودانية. يجب نزع الاحترام عن كل سياسي أو جنرال يحج إلى القاهرة لتلقي التعليمات.

​القطيعة النفسية: يجب أن نتحرر من عقدة “مصر أخت بلادي”. مصر دولة لها مصالح، ويجب التعامل معها بندية وشراسة. السياسي الذي لا يستطيع أن يقول لمصر “هذا حقي” لا يستحق أن يحكم قرية، ناهيك عن دولة.

​بناء “الرجولة الوطنية”: الخلاص لن يأتي من صالونات الخرطوم القديمة. الخلاص يأتي من “الأشاوس” والشباب والقوى الحية في الهوامش والمدن، الذين لم يتلوث وعيهم بالتبعية.

نحتاج قيادة جديدة، تؤمن بأن الخرطوم عاصمة لـ “إمبراطورية كوشية” مستقلة، وليست مجرد مديرية تابعة للقاهرة.

​تغيير شروط اللعبة: الحرب الحالية، رغم مأساويتها، هي فرصة تاريخية لإنهاء “دولة 56” (دولة الوكلاء). يجب ألا تنتهي هذه الحرب إلا بتأسيس السودان الجديد، وجيشه الوطني “الجديد” لنج “كرت كرتونه” لا ولاء له إلا للأرض، وقرارها ينبع من مصلحة المواطن السوداني، لا من مكاتب المخابرات العامة في الجيزة.

​الخلاصة:

لقد حكمنا “الخِصيَان السياسيون” لسبعين عاماً، فأوردونا موارد الهلاك. الخلاص يبدأ حين ندرك أن “الرجولة الوطنية والسياسية” تعني السيادة، والسيادة تعني سيادة الشعب. و هي لا تُوهب، بل تُنتزع انتزاعاً من فم الأسد، ومن يد الوكيل الخائن لوطنه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!