
د. دقاش حسب الله دقاش
مدخل شهادة وجع
إن الذي استفز قلمي وحرك دمعي ودفعني إلى كتابة هذا المقال مشهد لا يليق ببيت من بيوت الله فقد رأيت بعيني طفلا صغير السن في خلوة لتعليم القرآن وقد أحكم حبل حول رقبته وانهال عليه معلمه ضربا قاسيا لا يعرف للرحمة طريقا ففي تلك اللحظة سقطت دمعتي وتجمدت في صدري مشاعر العقل والروح معا أمام قسوة معلم نزعت من قلبه الشفقة فضرب بيد لا تعرف إلا الكسر ومن ذلك الجرح النازف في الوجدان كان لابد للقلم أن يشهد وللكلمة أن تكون نصيرا للطفل الذي لا صوت له وحارسا لكرامة البيت الذي يجب أن يكون أمانا لا محكمة جلد
إن مراكز التعليم من خلاوي ومدارس هي منارات الأمة ومصانع الرجال ففيها تتشكل عقول الأبناء وتستقيم أخلاقهم قبل أقلامهم وهي ليست جدرانا من طين أو حجارة وإنما هي بيوت للروح والعلم والرحمة ومن ثم فإن صيانة كرامة الطفل فيها هي صيانة لمستقبل الوطن كله وحين نعبر أبواب الخلاوي والمدارس إنما ندخل فضاء ينبغي أن يكون سكنا للطمأنينة ومنارا للفكر وبيئة لبناء الشخصية لأن جوهر التعليم رحمة قبل أن يكون تلقينا ومعرفة قبل أن تكون إكراها فإذا تحول هذا الفضاء إلى ساحة خوف وضرب وإهانة انقلبت وظيفته وسقطت هيبته وتحول البيت الذي يصنع الإنسان إلى مكان يكسر الإنسان
وإن العنف الذي يمارسه بعض المعلمين على الأطفال ليس تربية ولا تأديبا ولا إرثا حكيما بل هو عجز يتستر خلف قلة الصبر وضعف الأداة فالطفل الذي يضرب اليوم يخرج غدا مكسور الثقة يحمل خوفا يلازمه في كل مقعد وسؤال وفكرة وحين يغيب السؤال تموت المعرفة وحين تموت المعرفة يتوقف نمو الوطن وإن أثر العصا لا ينتهي عند دمعة أو أثر على الظهر بل يمتد إلى سنوات يضعف فيها التحصيل وتكره فيها المدرسة وينفر فيها الطالب من المعلم وينعزل داخل الصف ويعيش في قلق يشغل عقله بالنجاة لا بالتعلم وحين ينشغل العقل بالخوف يغيب الفضول والفضول هو البذرة الأولى للعالم والمهندس والطبيب والمواطن الصالح
وبما أن الطفل هو مستقبل الوطن فإن حمايته ليست ترفا ولا خيارا بل واجب ديني وأخلاقي وقانوني فديننا دين رحمة ومغفرة وإنسانية ولا يستقيم أن نربي على الخوف ثم نطلب بناء المحبة ولا أن نكسر الطفل اليوم ثم ننتظر سنده غدا وعليه فإن مسؤولية الدولة مباشرة ولا تحتمل التأجيل فأولها تشريع صارم يجرم كل صور العنف داخل المدارس والخلاوي مع محاسبة فورية وعلنية حتى تكون كرامة الطفل خطا أحمر لا يجرؤ أحد على تجاوزه وثانيها إعادة تأهيل المعلم ومعلم الخلوة على أساليب التربية الحديثة القائمة على الاحترام والحوار والتشجيع وفهم مراحل النمو النفسي والعقلي لأن المسلح بالمعرفة لا يحتاج إلى العصا ولأن المتمكن من أدوات التعليم لا يحتاج إلى الصراخ وثالثها إنشاء قنوات آمنة ومحمية لتلقي شكاوى الأطفال وأولياء الأمور والتعامل معها بجدية وسرعة حتى يوقن كل طفل أن له ظهرا يحميه وصوتا يسمع وحقا مصونا
ومن هنا فإن المدرسة التي يخافها الطالب مدرسة فاشلة والخلاوي التي ترعبه خلاوي فقدت روحها والوطن الذي يسمح بكسر أطفاله يحفر قبر مستقبله بيديه ذلك أن التعليم الآمن هو أساس بناء جيل واثق يفكر ويبدع ويخدم مجتمعه دون أن يحمل في قلبه جرحا قديما من مقعد الدراسة وإن بيوت الله لا تبنى بالجلد ولا بالخوف ولا بالإهانة وإنما تبنى بالعلم والرحمة والاحترام والأمل فإذا أردنا وطنا قويا بدأنا من مقعد الطفل وإذا أردنا جيلا صالحا جعلنا الخلاوي والمدارس بيوت الله حقا لا اسما ولنكن جميعا شهودا على أن الطفولة أمانة وأن الأمانة لا تضيع.
الجمعة الموافق 26يونيو 2026م.




