رأي

وهم المركز وثروة الأطراف

محمد البخيت

 

محمد البخيت

من بين الحقائق التي كشفتها الحرب السودانية الجارية، تبرز حقيقة اقتصادية ظلّت لعقود طويلة محجوبة خلف ضجيج الخطاب المركزي وهيمنة النخب التقليدية على صناعة القرار. فمع الانهيار المتسارع لقيمة الجنيه في بورتسودان، مقابل قدر من الاستقرار النسبي في بعض أقاليم غرب السودان، بدأت تتكشف بصورة أكثر وضوحاً طبيعة العلاقة الاقتصادية الحقيقية بين المركز والأطراف، ومن كان يعتمد على الآخر في إنتاج الثروة وتوفير الموارد.

يشهد الاقتصاد السوداني اليوم واحدة من أكثر مراحله اضطراباً منذ الاستقلال. فقد بلغ التدهور النقدي مستويات غير مسبوقة، ووصل سعر صرف الدولار في مناطق سيطرة سلطة بورتسودان إلى أرقام قياسية تعكس عمق الأزمة البنيوية التي يعانيها الاقتصاد المركزي. ولم يكن هذا الانهيار وليد لحظة عابرة أو نتيجة ظرف طارئ، بل جاء حصيلة تراكمات طويلة من السياسات الاقتصادية المختلة التي اعتمدت على الجبايات والتوسع في الكتلة النقدية دون سند إنتاجي حقيقي، إلى جانب الإخفاق المستمر في بناء اقتصاد قادر على توليد القيمة المضافة وتعظيم الموارد الوطنية.

ورغم وضوح أسباب الأزمة، لا تزال بعض المنابر الإعلامية والشخصيات المحسوبة على سلطة بورتسودان تحاول تسويق روايات تلقي مسؤولية التدهور الاقتصادي على حكومة السلام وتحالف السودان التأسيسي. غير أن هذه السرديات تبدو عاجزة عن تفسير الوقائع الاقتصادية الماثلة على الأرض، إذ إن الأزمة الحالية ترتبط بصورة مباشرة بفقدان المركز لجزء كبير من الموارد الإنتاجية التي اعتمد عليها لعقود طويلة في تمويل موازنته العامة وسد اختلالاته المالية.

وعلى النقيض من حالة الارتباك التي يعيشها المركز، أظهرت مناطق غرب السودان في دارفور وكردفان قدرة أكبر على التكيّف مع المتغيرات الاقتصادية الجديدة. فقد ساعدت المرونة التجارية والانفتاح على الأسواق الإقليمية، إلى جانب الاعتماد على موارد محلية متنوعة، في توفير قدر من الاستقرار النقدي والتجاري مقارنة بما يجري في بورتسودان.

ويعود ذلك إلى حقيقة جوهرية كثيراً ما جرى تجاهلها في الأدبيات السياسية والاقتصادية السودانية، وهي أن أقاليم غرب السودان لم تكن يوماً عبئاً على الدولة كما روجت بعض النخب المركزية، بل كانت أحد أهم مصادر الثروة والإنتاج. فمن هذه المناطق كانت تأتي صادرات الثروة الحيوانية، والمحاصيل النقدية، والصمغ العربي، والموارد المعدنية التي شكلت لعقود طويلة ركيزة أساسية للميزان التجاري السوداني ومصدراً مهماً للنقد الأجنبي.

لقد ساهمت هذه الموارد بصورة مباشرة في تمويل الخزانة العامة واستقرار سعر الصرف وتأمين احتياجات البلاد من الواردات، بينما ظلت المجتمعات المنتجة نفسها تعاني من ضعف الخدمات الأساسية وغياب التنمية المتوازنة والتهميش السياسي والاقتصادي. ومع التحولات التي فرضتها الحرب، أصبح من السهل ملاحظة حجم الاعتماد الذي كان المركز يفرضه على موارد الأطراف دون أن يقابله توزيع عادل للعائدات أو استثمار حقيقي في تلك المناطق.

إن الأزمة الحالية لا تكشف فقط هشاشة النموذج الاقتصادي المركزي، بل تعيد طرح أسئلة قديمة حول العدالة في توزيع الثروة والسلطة داخل السودان. كما تؤكد أن التنمية المستدامة لا يمكن أن تقوم على استنزاف الموارد من مناطق الإنتاج لصالح مراكز النفوذ السياسي، وإنما على شراكة متوازنة تضمن حقوق المجتمعات المحلية وتمكّنها من الاستفادة من مواردها الطبيعية.

لقد أثبتت الأحداث أن الثروة الحقيقية لا تُصنع داخل المكاتب الإدارية أو عبر السياسات المالية المجردة، بل تنبع من الأرض والإنتاج والعمل المباشر. ولذلك فإن ما يجري اليوم يمثل درساً اقتصادياً عميقاً يكشف حدود النموذج المركزي التقليدي، ويؤكد أن مستقبل السودان الاقتصادي سيظل مرتبطاً بقدرته على بناء علاقة أكثر عدالة وإنصافاً بين المركز والأطراف، وبين السلطة والثروة، وبين الإنتاج والتنمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!