
أشرف عثمان
مقدمة: ❖
الهوية ليست خيارًا واعيًا، بل مَجال قوى رمزي يَشُدّ الجماعات ويُعيد توزيعها حول مركزٍ مشعٍّ بالرموز وهذه الورقة تُقدّم مفهوم “الجاذبية الهوياتية” بوصفه قانونًا حتميًا يحكم سلوك الجماعات في علاقتها بالمركز ويُفسّر لماذا تنجذب الأطراف نحو مركز رمزي دون أن تكون واعية بذلك أو مخيّرة فيه.
نحن لا نختار مَن نكون، بل ننجذب لما نظنه أصلنا ومعنى وجودنا.
أولًا: تعريف الجاذبية الهوياتية كقانون اجتماعي❖
الجاذبية الهوياتية:
قانون ثقافي–رمزي يُنتج ميلًا لا إراديًا للجماعات الواقعة في الأطراف نحو المركز الذي يمتلك الكثافة الأعلى من الرموز المؤسسة للهوية الجماعية، طلبًا للتمثّل والاعتراف والانتماء.
وهذا الميل ليس اختيارًا واعيًا، بل ضرورة بنيوية ناتجة عن التوزيع اللامتكافئ للرأسمال الرمزي، تمامًا كما تنجذب الأجسام الصغيرة في الفضاء نحو الكتلة الأكبر بفعل الجاذبية.
ثانيًا: المنطلق النظري – من بورديو إلى هالبفاكس❖
.1
بورديو: الحقول الرمزية والرأسمال الثقافي
في نظرية بورديو، الحقل الثقافي يتوزّع وفق مراكز وأطراف، وكل فاعل (أو جماعة) يُعاد تموضعه وفق رأس المال الرمزي الذي يمتلكه أو يفتقر إليه. (Bourdieu, 1986)
الجماعات التي تفتقر للتمثيل الرمزي تنشدّ قسرًا نحو المركز لأنه موقع الشرعية الثقافية، لا بفعل وعيها بل بفعل حاجتها البنيوية للاعتراف.
“كل علاقة رمزية هي علاقة قوى.” – بورديو
.2
إدوارد شيلز: المركز يشعّ المعنى
في Center and Periphery يوضح شيلز أن المجتمع يتمركز حول مركز رمزي يشعّ الشرعية والقداسة. وكلما ابتعدنا عن المركز، قلّت كثافة الهوية وزاد الانجذاب نحوه. (Shils, 1975)
.3
دوركايم وهالبفاكس: الذاكرة الجمعية تنتج الانتماء
يرى دوركايم أن الجماعة ليست مجرد تجمّع أفراد، بل بنية تحكمها قوى غير واعية. (Durkheim, 1912)
أما هالبفاكس، فيعتبر أن الهوية ناتجة عن الذاكرة الجمعية، لا عن التجربة الفردية، وهذه الذاكرة تدفع الجماعة للارتباط بما تعتقد أنه أصلها الرمزي. (Halbwachs, 1950)
❖ ثالثًا: ملامح الحتمية في سلوك الجماعات
السلوك التلقائي للجماعة تجاه الرمز
1
الجماعات تنشدّ إلى المراكز التي تحمل رموزًا تمثّل الأصل أو الشرعية، دون أن تُقرر ذلك عقلانيًا. ◦
الجذب كفعل لا إرادي وليس سياسيًا دائمًا
2
قد تنجذب جماعة دينيًا أو لغويًا أو وجدانيًا، رغم كونها مهمشة سياسيًا. ◦
الانجذاب لا يعني الولاء، بل ردّة فعل رمزية لحاجة الاعتراف◦
المركز يُنتج الأطراف من خلال الجاذبية
3
الأطراف لا توجد خارج المركز، بل تُنتَج حين تفشل في اختراقه رغم الجذب. ◦
لذلك، كل تمرد على المركز هو نتيجة لمقاومه الجاذبية من المركز. ◦
رابعًا: الجاذبية كأداة تحليل اجتماعي وتاريخي❖
* انتقال جماعات إلى مراكز دينية (مثل مكة أو مروي) لم يكن دائمًا فعلًا عقلانيًا بل استجابة للجاذبية الرمزية.
* تبنّي لغات المركز من قِبل الشعوب المهمشة يحدث دون قسر، لأن المركز يمثل إمكانية الاعتراف.
* التمرّد على المركز هو شكل من الانجذاب المقموع، حين يُقابل طلب الانتماء بالرفض.
خامسًا: نقد اختياريّة الهوية ❖
الفكرة الليبرالية بأن الهوية مسألة فردية اختيارية لا تصمد أمام مفعول الجاذبية الجماعية.
فالهوية ليست قرارًا، بل حقل شدٍّ تُحدَّد فيه الجماعات بقدر قربها أو بعدها من مركز الإشعاع الرمزي.
“لا توجد هوية خارج الحقول التي تُنتجها وتُعيد توزيعها.”
-مبدأ الجاذبية الهوياتية
سادسًا: إسقاط على الحالة السودانية – الأطراف تنجذب إلى وادي النيل❖
في السودان، مثل وادي النيل – من كرمة ونبتة إلى الخرطوم – مركز إشعاع رمزي كثيف، احتكر سردية الهوية السياسية والدينية والثقافية.
وبحسب قانون الجاذبية الهوياتية، فإن الأطراف السودانية (دارفور، النيل الأزرق، جبال النوبة، الشرق) تنجذب بصورة حتمية إلى هذا المركز الرمزي، لا بإرادتها الواعية، بل بفعل ما تراكم فيه من رموز الشرعية والانتماء.
ويمكن رصد ذلك في:
محاولات التمثيل السلمي عبر التعليم، الجيش، الأحزاب، والمؤسسات. •
ثم التحول نحو الانجذاب القسري (التمرد والعنف) عندما يُرفض هذا التمثيل. •
وحتى في التاريخ حين كانت الاطراف منفصله سياسيا واداريا عن المركز، فإنها لا تفصل نفسها• رمزيًا عنه، لأن الانتماء إليه انجذاب بنيوي.
التمرّد في دارفور، مثلًا، لم يكن خروجًا عن مدار وادي النيل، بل اندفاعًا عنيفًا نحوه بعد فشل الانجذاب السلمي.
خاتمة: من حتمية الجذب إلى هندسة الهوية❖
لفهم الحركات الاجتماعية والثقافية والسياسية في الأطراف، علينا تجاوز منطق الخيار الفردي أو الفعل الواعي.
إن مركز الهوية يشكّل بنية جذب لا واعٍ، يحدّد تموضع الجماعات في الحقول الرمزية.
ولا سبيل لبناء هوية وطنية عادلة إلا عبر تفكيك احتكار المركز للرموز، وإعادة توزيع الرأسمال الرمزي، واعترافه بالأطراف كمكوّنات أصيلة فيه.
الهوية ليست ما نختاره، بل ما ننجذب إليه.




