
حافظ كبير
لم تكن الأزمة السودانية يوماً مجرد صراع سياسي عابر يمكن احتواؤه باتفاق مؤقت أو تسوية مرحلية. فقد أثبتت التجارب المتعاقبة أن جذور الأزمة أعمق من أن تُعالج بترتيبات السلطة وحدها، وأن ما عاشه السودان خلال العقود الماضية لم يكن سوى سلسلة من محاولات الترقيع السياسي التي سرعان ما تعيد البلاد إلى نقطة البداية.
ولهذا، فإن أي حديث جاد عن مستقبل السودان يجب أن يبدأ أولاً بفهم طبيعة الأزمة نفسها. فالمشكلة ليست فقط في تبدّل الحكومات أو تغيير الوجوه، بل في الوضعية التاريخية المختلة التي حكمت بناء الدولة السودانية منذ الاستقلال، وأعادت إنتاج الأزمات بصورة دورية عبر مؤسسات ضعيفة، وتحالفات هشة، ومقاربات قصيرة النظر لإدارة التنوع السياسي والاجتماعي.
لقد اعتادت النخب السياسية في السودان اللجوء إلى اتفاقيات سلام سريعة تُصاغ غالباً تحت ضغط اللحظة، أو في إطار تقاسم السلطة، دون أن تمسّ جوهر الأزمة أو تعالج أسبابها العميقة. ونتيجة لذلك، كانت تلك الاتفاقيات في كثير من الأحيان مجرد استراحة قصيرة بين جولات الصراع، قبل أن تعود البلاد مرة أخرى إلى مربع الأزمة التاريخي.
إن التغيير الحقيقي الذي يحتاجه السودان لا يمكن أن يكون جزئياً أو انتقائياً. فإعادة بناء الدولة تتطلب رؤية شاملة تعيد النظر في مجمل البنية المؤسسية التي حكمت البلاد لعقود طويلة. وهذا يشمل بطبيعة الحال إعادة بناء المؤسسة العسكرية وتأسيس جيش وطني جديد يقوم على عقيدة مهنية بعيدة عن الاستقطابات السياسية والأيديولوجية، لكنه لا يتوقف عند هذا الحد.
فالتغيير المنشود ينبغي أن يمتد إلى المنظومة الأمنية والتعليمية والاقتصادية والإعلامية، بما يفتح الباب أمام نمط جديد من الممارسة السياسية يقوم على التنافس الحر بين المكونات الاجتماعية والثقافية للسودان، دون تدخل أو انحياز من الدولة وأجهزتها.
وفي ظل بيئة عادلة ومحايدة، يمكن للمجتمع أن يعيد ترتيب موازينه الطبيعية؛ حيث تتقدم القوى التي تمتلك مشروعاً ورؤية، وتتراجع تلك التي تعتمد على النفوذ أو احتكار السلطة. فالدولة العادلة ليست تلك التي تفرض توازنات مصطنعة، بل التي تضمن قواعد متساوية للمنافسة وتترك للمجتمع أن يختار طريقه بحرية.
غير أن هذا المسار يتطلب أيضاً ظهور تيار جذري حقيقي قادر على قيادة عملية التغيير، تيار يتجاوز الحسابات الضيقة والمصالح الآنية، ويعمل على بناء الثقة داخله وتطوير رؤاه وبرامجه بصورة ناضجة ومتدرجة. كما يتطلب وضوحاً في المواقف واختياراً واعياً للقيادات القادرة على تحويل الأفكار إلى برامج عملية على أرض الواقع.
لقد ظل تاريخ النضال السوداني، طوال عقود، يتأرجح بين لحظات صعود واعدة ولحظات تراجع قاسية. فكم من قيادات تصدرت مشهد التغيير ثم تراجعت عنه تحت ضغط التوازنات أو المصالح أو حسابات اللحظة. غير أن اللحظة الراهنة تبدو مختلفة إلى حد كبير، إذ تتوافر اليوم شروط موضوعية وذاتية لم تتجمع من قبل بالقدر ذاته.
فالوعي بطبيعة الأزمة أصبح أكثر وضوحاً، كما أن أدوات النظام القديم في إدارة التناقضات بين القوى السياسية والاجتماعية بدأت تفقد فعاليتها، بعد أن استُنزفت على مدى سنوات طويلة. وهذا يفتح الباب أمام فرصة تاريخية لإعادة التفكير في مشروع الدولة السودانية من جذوره.
إن السودان يقف اليوم أمام لحظة مفصلية قد لا تتكرر كثيراً في تاريخه الحديث. لحظة يمكن أن تتحول فيها سنوات الألم والصراع إلى مخاض عسير لولادة وطن جديد؛ وطن يحترم تنوعه الثقافي والاجتماعي، ويحتفي بإرثه الحضاري، ويستثمر موارده الهائلة لصالح جميع أبنائه.
وإذا نجحت القوى الوطنية في اغتنام هذه اللحظة، فقد يخرج السودان أخيراً من دائرة الفقر الممنهج والصراعات المتكررة، ليتحول إلى دولة قابلة للحياة، متصالحة مع ذاتها، ومتعايشة بسلام مع مكوناتها المختلفة.
إنها لحظة ميلاد محتملة لوطن جديد…
والمستقبل سيحدده مدى قدرة السودانيين على تحويل هذه الفرصة التاريخية إلى مشروع وطني جامع.




