
نجم الدين دريسة

ثمة لحظات في التاريخ السياسي لا يسقط فيها الأشخاص بسبب خصومهم، وإنما بسبب المسافة الشاسعة التي تفصل بين ما كانوا يقولونه بالأمس وما صاروا يرددونه اليوم. وفي السودان، يصعب العثور على نموذج أكثر تعبيراً عن هذه المأساة من السفير الحارث إدريس الحارث، الذي انتقل خلال سنوات قليلة من موقع الناقد اللاذع لسياسات الحركة الإسلامية وتخريبها للمؤسسة الدبلوماسية إلى موقع المدافع الأول عن الخطاب ذاته الذي ظل يهاجمه لعقود طويلة.
لقد عرف السودانيون الحارث إدريس بوصفه أحد أكثر الأصوات انتقاداً لسياسات التمكين التي اجتاحت وزارة الخارجية في عهد الحركة الإسلامية. وكان الرجل يكتب ويتحدث باستفاضة عن الكارثة التي أحدثتها تلك السياسات في بنية الدولة السودانية، وعن إغراق السلك الدبلوماسي بعناصر حزبية وأيديولوجية تفتقر إلى الحد الأدنى من الكفاءة المهنية والخبرة الدبلوماسية. وكان يصف ذلك كله بأنه نوع من “التهويش الحركي الإسلاموي” الذي صادر مؤسسات الدولة وحولها إلى أدوات لخدمة المشروع الحزبي الضيق.
ولم يكن الحارث مخطئاً في ذلك التوصيف. فقد دفعت البلاد ثمناً باهظاً لسياسات الحركة الإسلامية الخارجية، حيث عانى السودان من عزلة دولية غير مسبوقة، ووجد نفسه محاصراً بالعقوبات الاقتصادية، ومدرجاً على قوائم الإرهاب، ومعزولاً عن محيطه الإقليمي والدولي. وكانت النتيجة المباشرة هي إنهاك الاقتصاد الوطني، وإفقار الشعب السوداني، وتدمير فرص التنمية والاستقرار لعقود طويلة.
لكن المفارقة الصادمة أن الرجل الذي ظل يشرح للسودانيين أسباب هذه الكارثة عاد اليوم ليقف في ذات الخندق الذي كان يهاجمه، بل أصبح أحد أكثر المدافعين عنه حماسة.
ولعل السؤال الأكثر إلحاحاً هنا ليس لماذا تغير الحارث، وإنما كيف يمكن لشخص قضى سنوات طويلة في نقد نموذج سياسي ودبلوماسي معين أن يتحول فجأة إلى أحد أبرز المتحدثين باسمه؟
الأزمة الحقيقية لا تكمن في اختلاف المواقف السياسية، فذلك حق مشروع، وإنما في التناقض الفج بين الخطاب القديم والخطاب الجديد. فحين كان الحارث خارج السلطة كان يتحدث بلغة الدولة والمؤسسات والمهنية. أما اليوم فقد أصبح يتحدث بلغة التعبئة السياسية والدفاع المستميت عن سلطة فقدت كثيراً من شرعيتها السياسية والأخلاقية في نظر قطاعات واسعة من السودانيين.
وقد تجلى هذا التحول بصورة أكثر وضوحاً في رده الأخير على تصريحات مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي، بشأن تعثر جهود الهدنة الإنسانية ورفض أحدث المقترحات المطروحة لوقف الحرب.
بدلاً من تقديم دفوعات عقلانية ومقنعة تستند إلى الوقائع والحقائق، اختار الحارث أن يتبنى بالكامل رواية قيادة الجيش وسلطة بورتسودان، محاولاً نفي المسؤولية عن استمرار الحرب وتحميل الأطراف الأخرى كامل العبء السياسي والأخلاقي للأزمة.
لكن ما حدث بعد ذلك بساعات قليلة فقط كان كفيلاً بتحويل هذا الدفاع إلى عبء سياسي على صاحبه.
فبينما كان الحارث يسعى إلى تثبيت رواية معينة أمام المجتمع الدولي، خرج قائد الجيش نفسه بخطاب حمل مضامين وإشارات تناقض عملياً كثيراً مما حاول مندوب السودان تسويقه أمام العالم.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية.
فالدبلوماسي عادة ما يواجه خصومه السياسيين، لكنه لا يتوقع أن تأتي الضربة من المعسكر الذي يدافع عنه. وعندما تصبح تصريحات القيادة نفسها سبباً في تقويض دفوعات ممثلها الدبلوماسي، فإن المشكلة لا تعود في مهارة السفير أو قدرته الخطابية، وإنما في هشاشة الرواية التي يحاول الدفاع عنها.
الأخطر من ذلك أن الحارث لا يبدو مدركاً لحجم الضرر الذي يلحقه بنفسه وبتاريخه السياسي والفكري. فالرجل الذي عرفه السودانيون معارضاً للانقلاب العسكري وجد نفسه لاحقاً ينكر وقوع الانقلاب أصلاً.
وحين صرح بأن الحكومة الانتقالية استقالت ولم تتم إقالتها، وأنه لم يكن هناك انقلاب عسكري في السودان، لم يكن يدافع عن وجهة نظر سياسية فحسب، بل كان يصطدم مباشرة مع وقائع ما زالت حاضرة في ذاكرة ملايين السودانيين الذين خرجوا إلى الشوارع وواجهوا الرصاص والاعتقالات والقمع عقب إجراءات الخامس والعشرين من أكتوبر.
ولذلك لم يكن مستغرباً أن يثير حديثه موجة واسعة من الغضب والانتقادات.
فالناس قد يختلفون حول تقييم الأحداث، لكنهم لا يتسامحون بسهولة مع محاولات إعادة كتابة التاريخ أو إنكار الوقائع الموثقة.
وما يزيد الصورة قتامة أن الحارث نفسه عاد إلى السلك الدبلوماسي خلال الفترة الانتقالية التي أطاح بها الانقلاب لاحقاً، وتم ترشيحه في سياق مشروع التحول المدني الديمقراطي الذي كان يفترض أن يكون أحد المدافعين عنه، قبل أن ينتهي به الأمر متحدثاً باسم سلطة قامت على أنقاض ذلك المشروع.
وهنا يصبح الحديث عن الانتهازية السياسية أمراً مطروحاً بقوة، ليس من باب الشتائم السياسية، وإنما باعتباره توصيفاً لسلوك سياسي يصعب تفسيره بغير ذلك.
لقد أصبح واضحاً أن وظيفة الحارث الحالية تفرض عليه أن يقول ما ترغب السلطة في سماعه، لا ما تقتضيه الحقائق والوقائع.
ولهذا السبب بدا خطابه في مجلس الأمن أقرب إلى خطاب سياسي تعبوي منه إلى مرافعة دبلوماسية رصينة.
فالدبلوماسية ليست رفع الصوت، وليست توزيع الاتهامات، وليست استعراض الغضب والانفعال أمام الكاميرات. الدبلوماسية هي القدرة على الإقناع وكسب الحلفاء وبناء المصداقية.
لكن المراقبين داخل السودان وخارجه لاحظوا أن أداء الحارث افتقد كثيراً من هذه العناصر، وأن لغته باتت أقرب إلى لغة الصراع الداخلي منها إلى لغة العلاقات الدولية.
إن المشكلة الأساسية التي يواجهها الحارث اليوم ليست في ضعف الحجة أو محدودية المهارة، وإنما في طبيعة القضية التي يحاول الدفاع عنها.
فالحرب التي دمرت السودان وشردت الملايين وفتحت أبواب المجاعة والنزوح والانهيار الاقتصادي ليست حرباً يمكن تزيين صورتها بخطاب دبلوماسي مهما بلغت بلاغته.
كما أن سلطة تعيش تناقضات داخلية عميقة لن تستطيع إنتاج رواية متماسكة يقنع بها مندوبها المجتمع الدولي.
ولهذا فإن كل ظهور جديد للحارث يبدو أقل إقناعاً من سابقه، ليس لأن خصومه أصبحوا أقوى، بل لأن الرواية التي يحملها أصبحت أكثر هشاشة وتناقضاً.
لقد كان الحارث ذات يوم ناقداً لدبلوماسية الحركة الإسلامية التي قادت السودان إلى العزلة. أما اليوم فقد أصبح أحد أبرز وجوهها، وإن اختلفت الشعارات والأسماء.
وما بين الحارث القديم والحارث الجديد تقف مأساة كاملة تختصر كيف يمكن للسياسة أن تهزم الأفكار، وكيف يمكن للموقع الوظيفي أن يبتلع التاريخ الشخصي، وكيف يمكن للدبلوماسي أن يتحول من شاهد على الحقيقة إلى مدافع عن رواية تتهاوى تحت وطأة الوقائع.
ولذلك فإن القضية لم تعد قضية الحارث وحده، وإنما قضية سلطة كاملة تحاول إقناع العالم بما لم تعد قادرة على إقناع السودانيين به، وكلما اتسعت الفجوة بين الخطاب والواقع، ازداد سقوط الرواية وتسارع انهيار مصداقية من يحملونها إلى المنابر الدولية.




