الكلور يهز لاهاي.. واشنطن تضع سلطة بورتسودان في مواجهة أخطر اتهام دولي
التنوير : تقرير سكاي نيوز عربية

التنوير : تقرير سكاي نيوز عربية
في تطور يُعد من أخطر التحولات في مسار الحرب السودانية منذ اندلاعها، صعّدت الولايات المتحدة الأمريكية موقفها تجاه سلطة بورتسودان، معلنة بصورة رسمية أمام منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أن الجيش السوداني استخدم أسلحة كيميائية خلال الحرب، ومطالبة بإخضاع السودان لعمليات تفتيش وتحقيق دولية شاملة دون قيود، في خطوة تحمل أبعاداً سياسية وقانونية ودبلوماسية قد تمتد آثارها إلى مستقبل علاقات السودان الدولية وموقعه داخل المؤسسات متعددة الأطراف.
اتهام أمريكي غير مسبوق
جاء الموقف الأمريكي خلال أعمال الدورة الثانية عشرة بعد المئة للمجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية المنعقدة بمدينة لاهاي الهولندية، حيث خصصت المنظمة بنداً كاملاً لمناقشة ما وصفته بالتهديد الناجم عن استخدام الأسلحة الكيميائية في السودان.
وأكدت الولايات المتحدة أن تقييماتها الفنية الوطنية المستقلة خلصت إلى أن الجيش السوداني استخدم أسلحة كيميائية خلال عام 2024، وأن السودان ظل في حالة عدم امتثال لالتزاماته بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية خلال عام 2025، وهو ما اعتبرته واشنطن انتهاكاً خطيراً لنظام الحظر الدولي المفروض على هذه الأسلحة.
الكلور يدخل قلب الأزمة
في أكثر أجزاء البيان الأمريكي حساسية، كشفت السفيرة الأمريكية لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية نيكول شامبين أن المادة المستخدمة هي غاز الكلور، لتصبح هذه هي المرة الأولى التي تحدد فيها واشنطن بصورة رسمية وعلنية نوع المادة الكيميائية التي تتهم الجيش السوداني باستخدامها.
ويحمل هذا التحديد أهمية استثنائية، لأن الانتقال من الاتهام العام باستخدام أسلحة كيميائية إلى تسمية مادة محددة يمنح القضية بعداً قانونياً أكثر تعقيداً، ويفتح الباب أمام إجراءات تحقيق دولية تستند إلى مؤشرات فنية أكثر دقة.
مطالب صارمة للعودة إلى الامتثال
لم تكتف واشنطن بتوجيه الاتهام، بل طرحت سلسلة من المطالب المباشرة التي اعتبرتها ضرورية لإعادة السودان إلى مسار الامتثال للاتفاقية الدولية.
وشملت هذه المطالب تقديم إعلان شامل ودقيق يتضمن جميع المعلومات المتعلقة بالمنشآت والمواد والأسلحة الكيميائية الموجودة داخل السودان، إضافة إلى منح فرق منظمة حظر الأسلحة الكيميائية حق الوصول الفوري وغير المقيد إلى المواقع التي تراها ضرورية لإجراء عمليات التحقق الميداني.
وأكدت الولايات المتحدة أن الشفافية الكاملة والتعاون غير المشروط يمثلان الطريق الوحيد لمعالجة الأزمة الحالية.
رفض أمريكي للتحقيقات الداخلية
وفي رسالة حملت تشكيكاً واضحاً في الإجراءات التي اتخذتها سلطة بورتسودان، رفضت الولايات المتحدة اعتبار اللجنة الفنية الوطنية التي شُكلت للتحقيق في الاتهامات بديلاً عن الآليات الدولية المعتمدة.
وأوضحت واشنطن أن أي تحقيقات داخلية لا يمكن أن تحل محل عمليات التحقق المستقلة التي تنفذها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية وفقاً لصلاحياتها القانونية، مؤكدة أن الالتزام بالاتفاقية لا يقاس بالتحقيقات المحلية وإنما بنتائج عمليات التفتيش الدولية المستقلة.
عقوبات ورسائل ضغط متصاعدة
البيان الأمريكي كشف أيضاً أن عدم الامتثال لم يبق مجرد ملف سياسي داخل أروقة المنظمات الدولية، بل تحول إلى قضية ترتبت عليها إجراءات عملية.
وأكدت واشنطن أنها فرضت بالفعل جولة ثانية من العقوبات المرتبطة بالملف الكيميائي، مشيرة إلى أن السلطات في بورتسودان لم تستوف الشروط المطلوبة للعودة إلى الامتثال.
ورغم ذلك، أوضحت الولايات المتحدة أنها لا تزال مستعدة للتعاون من أجل تسوية القضية، لكنها شددت على أن احترام الاتفاقية الدولية ليس خياراً سياسياً قابلاً للتفاوض، وإنما التزام قانوني ملزم لجميع الدول الأطراف.
مستقبل عضوية السودان على المحك
أحد أكثر جوانب الخطاب الأمريكي إثارة للانتباه كان التلميح المباشر إلى مسألة عضوية السودان في المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
فقد اعتبرت الولايات المتحدة أن الدولة التي تستخدم أسلحة كيميائية وتفشل في العودة إلى الامتثال لا ينبغي أن تستمر في المشاركة في إدارة أعمال المنظمة أو اتخاذ قراراتها.
ورغم أن واشنطن لم تطالب رسمياً بإقصاء السودان من المجلس التنفيذي، إلا أن مضمون الخطاب حمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن استمرار العضوية قد يصبح محل مراجعة إذا استمرت الأزمة دون معالجة.
اختبار لمصداقية المنظمة الدولية
ذهبت الولايات المتحدة أبعد من الملف السوداني نفسه، معتبرة أن القضية تمثل اختباراً حقيقياً لمصداقية منظمة حظر الأسلحة الكيميائية وقدرتها على حماية نظام الحظر العالمي.
وأكدت أن التهاون مع أي انتهاكات مزعومة سيقوض الثقة في الاتفاقية الدولية وفي منظومة المعاهدات متعددة الأطراف التي تشكل أحد أعمدة الأمن الدولي.
كما دعت الدول الأعضاء إلى الحفاظ على نزاهة المنظمة وضمان أن تكون عضوية أجهزتها القيادية مقتصرة على الدول الملتزمة التزاماً كاملاً وقابلاً للتحقق بجميع واجباتها القانونية.
تصعيد دبلوماسي قد يعيد تشكيل المشهد
تكشف لهجة الخطاب الأمريكي أن الملف تجاوز مرحلة الاتهامات السياسية التقليدية، ودخل مرحلة أكثر حساسية ترتبط بالمساءلة الدولية وآليات التحقق الفني والعقوبات المحتملة.
ويشير مراقبون إلى أن تسمية الكلور بصورة مباشرة، والمطالبة بالتفتيش غير المقيد، والتلميح إلى مسألة العضوية داخل المجلس التنفيذي، كلها مؤشرات على أن واشنطن تسعى إلى بناء ضغط دولي متزايد لإجبار سلطة بورتسودان على القبول بتحقيق دولي شامل.
وفي حال استمرار الخلاف حول الملف، فإن القضية مرشحة للتحول إلى واحدة من أكبر المواجهات الدبلوماسية التي واجهتها السلطات السودانية خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع ارتباطها باتفاقية دولية تعد من أكثر المعاهدات صرامة في منظومة القانون الدولي.
وبينما تؤكد الولايات المتحدة أن حظر الأسلحة الكيميائية يمثل خطاً أحمر لا يقبل الاستثناءات، فإن الأسابيع المقبلة ستكشف ما إذا كانت سلطة بورتسودان ستتجه نحو التعاون مع المنظمة الدولية أم أن الأزمة ستتطور إلى مرحلة جديدة من الضغوط والعقوبات والعزلة الدبلوماسية، في ملف بات يشكل أحد أكثر ملفات الحرب السودانية حساسية وتعقيداً على الساحة الدولية.
المصدر : سكاي نيوز عربية




