رأي

لا سلام يُبنى فوق ركام العدالة.. السودان بين اختبار الحقيقة وصناعة المستقبل

عبدالعزير بخات المحامى 

 

عبدالعزير بخات المحامى 

لا تصنع الأمم مستقبلها الحقيقي بمجرد توقيع الاتفاقات، ولا تُغلق صفحات الحروب بالحبر الذي يخطه السياسيون في القاعات المغلقة، فالتاريخ لا يحتفظ فقط بأسماء من وقعوا مواثيق السلام، بل يخلّد أولئك الذين امتلكوا الشجاعة لجعل العدالة حجر الأساس لأي تسوية، وأدركوا أن السلام الذي يتجاوز آلام الضحايا ليس سوى هدنة مؤقتة تخفي تحت رمادها أسباب انفجار جديد.

لقد أثبتت تجارب الشعوب أن الاتفاقات التي تُبرم بعيداً عن الحقيقة سرعان ما تفقد قدرتها على الصمود، لأن الجراح التي لم تجد طريقها إلى العدالة لا تختفي، بل تتحول إلى ذاكرة مثقلة بالغضب والمرارة، وتبقى شاهدة على أن السلام الحقيقي لا يُقاس بصمت البنادق فقط، وإنما بى قدرة الدولة على مواجهة ماضيها بشجاعة وإنصاف.

إن الأمم التي نجحت في تجاوز مآسيها لم تفعل ذلك عبر النسيان أو دفن الحقائق، بل عبر الاعتراف بالضحايا، وإعلاء سيادة القانون، وبناء مؤسسات قادرة على حماية الإنسان ومحاسبة منتهكي الحقوق، لأنها أدركت أن الدولة التي تبدأ عهدها الجديد بالتغاضي عن الجرائم إنما تزرع بذور أزمة جديدة مهما بدا المشهد هادئاً في ظاهره.

وفي السودان، تبدو هذه الحقيقة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، فحجم المأساة التي خلفتها الحرب لا يمكن اختزاله في أعداد الضحايا أو حجم الدمار المادي وحده، بل في عمق الانهيار الذي أصاب علاقة المواطن بالدولة، وفقدان الثقة بقدرة المؤسسات على حماية الإنسان عندما يصبح مستهدفاً بالعنف والانتهاكات.

لقد تحولت حياة ملايين السودانيين إلى معاناة يومية عنوانها النزوح والخوف والجوع وفقدان الأحبة وانهيار الخدمات وتشتت الأسر وضياع أحلام أجيال كاملة. ولم تعد الحرب مجرد صراع بين أطراف مسلحة، بل أصبحت جرحاً وطنياً عميقاً أصاب المجتمع بأكمله، ولن يلتئم بمجرد إعلان وقف إطلاق النار أو توقيع اتفاق سياسي.

ومن هنا، فإن أي مشروع للسلام يختزل الأزمة السودانية في تقاسم السلطة أو توزيع المناصب أو مجرد إيقاف العمليات العسكرية، إنما يتجاهل جوهر المشكلة. فالسودان لا يواجه أزمة حكم فقط، بل يواجه أزمة عدالة، وأزمة مؤسسات، وأزمة ثقة بين المواطن والدولة.

فالسلام الحقيقي لا يبدأ عندما تخفت أصوات المدافع فحسب، بل يبدأ عندما يشعر المواطن بأن كرامته مصانة، وأن حياته محمية بالقانون، وأن الدولة موجودة لخدمته لا للهيمنة عليه، وأن العدالة ليست امتيازاً يمنح للأقوياء ويحرم منه الضعفاء.

إن العدالة ليست عقوبة انتقامية كما يحاول البعض تصويرها، وليست عائقاً أمام المصالحات الوطنية، بل هي الأساس الذي يحمي المصالحة نفسها من الانهيار. فالدولة التي تسمح بالإفلات من العقاب تضعف هيبة القانون، وتبعث برسالة خطيرة مفادها أن القوة يمكن أن تكون بديلاً عن الحق، وأن السلاح قد يصبح طريقاً لتحقيق الأهداف السياسية.

لقد أثبت التاريخ أن الجرائم التي لا تواجه بالحقيقة تتحول إلى أزمات مؤجلة، وأن تجاهل المظالم لا يؤدي إلى تجاوزها، بل يجعلها أكثر تعقيداً مع مرور الزمن. فالحصانات التي تُمنح تحت ضغط اللحظة السياسية قد تتحول لاحقاً إلى أسباب عميقة لعدم الاستقرار وتقويض بناء الدولة.

ولا يمكن لأي سلام أن يحظى بثقة السودانيين إذا شعر الضحايا بأن معاناتهم أصبحت جزءاً من صفقة سياسية، أو أن دماء الأبرياء تحولت إلى ثمن للتفاهمات. فحقوق الإنسان ليست ورقة تفاوضية، ولا ملكاً للنخب السياسية، وإنما هي حقوق أصيلة لا تسقط بالتقادم ولا يجوز إخضاعها لحسابات المصالح.

إن بناء السودان الجديد يتطلب تأسيس منظومة عدلية مستقلة، وقضاءً نزيهاً، ومؤسسات قادرة على التحقيق والمساءلة بعيداً عن النفوذ السياسي، إلى جانب إصلاح شامل للمؤسسات العسكرية والأمنية بما يضمن خضوعها للدستور والقانون، ويجعل ولاءها للدولة والشعب لا لأي جهة أو مشروع خاص.

وتبقى العدالة الانتقالية الطريق الأكثر واقعية للخروج من دائرة العنف، فهي ليست مشروع إقصاء أو انتقام، وإنما مشروع وطني يهدف إلى كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وجبر ضرر الضحايا، وإصلاح المؤسسات، وضمان عدم تكرار المأساة.

إن السودان لا يحتاج فقط إلى اتفاق ينهي الحرب، بل يحتاج إلى عقد وطني جديد يعيد تعريف معنى الدولة؛ دولة يكون فيها القانون فوق الجميع، والمواطن هو محور وجودها، والسلطة خاضعة للمساءلة، وكرامة الإنسان خطاً لا يمكن تجاوزه.

قد يكون توقيع الاتفاقات أسهل من بناء الثقة، وقد يكون توزيع المناصب أسرع من بناء المؤسسات، لكن التاريخ يؤكد أن الدول التي اختارت الطريق السهل في مواجهة أزماتها دفعت أثماناً باهظة لاحقاً، بينما استطاعت الدول التي واجهت ماضيها بصدق أن تؤسس لاستقرار أكثر رسوخاً وعدالة أكثر دواماً.

إن السودان يستحق مستقبلاً لا يخاف فيه الطفل من الحرب، ولا تضطر فيه الأسرة إلى البحث عن الأمان بعيداً عن الوطن، ولا يفقد فيه الشباب ثقتهم بالمستقبل، ولا يصبح حمل السلاح أقرب من أبواب العدالة.

ويبقى السؤال الذي سيحكم على هذه المرحلة أمام التاريخ: هل سنبني سلاماً يحمي العدالة، أم سلاماً يدفنها؟

فالفرق بين الاثنين هو الفرق بين دولة تنهض من تحت الركام، ودولة تؤجل أزمتها إلى جولة جديدة من الصراع.

إن العدالة ليست رفاهية تؤجل إلى ما بعد الحرب، وليست مطلباً ثانوياً في مسار بناء الدولة، بل هي الشرط الأول للاستقرار، والضمان الحقيقي لوحدة المجتمع، والسد المنيع أمام عودة العنف.

فالأوطان قد تعيد بناء مدنها ومؤسساتها بعد الدمار، لكنها لا تستطيع أن تستعيد عافيتها إذا فقدت إيمانها بالعدالة. ولهذا فإن مستقبل السودان لن يُكتب فقط بالاتفاقات، بل بمدى الالتزام بالحقيقة والإنصاف والمساءلة.

فالعدالة ليست خاتمة الحرب… بل هي بداية الدولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!