رأي

عبد الحي يوسف وخطاب تفكيك الوطن: عقلية احتكار الحقيقة وإدعاء مبدأ الصواب. 

د. جودات الشريف حامد

 

د. جودات الشريف حامد

ليست كل الكلمات سواء، فبعض الكلمات تنتهي بانتهاء لحظة قولها، بينما تتحول كلمات أخرى إلى مواقف عامة تصنع أثراً في وعي المجتمعات واتجاهاتها، خصوصاً عندما تصدر عن شخصيات تمتلك سلطة دينية أو اجتماعية. وفي أوقات الحروب والانقسامات الكبرى تصبح مسؤولية أصحاب المنابر أكثر خطورة، لأن الكلمة قد تكون جسراً نحو التهدئة والتعايش، وقد تكون وقوداً يوسع دائرة الكراهية والانقسام.

ومن هنا تأتي خطورة التصريحات المنسوبة إلى الشيخ الضلالي عبد الحي يوسف، والتي قال فيها إن التعايش مع القبائل التي وصفها بأنها “حواضن اجتماعية” لقوات الدعم السريع أصبح مستحيلاً، مستنداً إلى ما وقع خلال الحرب من قتل وتشريد وانتهاكات واعتداءات على المدنيين.

ولا جدال في أن الحرب السودانية خلفت مآسي إنسانية عميقة، وأن الضحايا يستحقون العدالة، وأن كل من ارتكب جريمة يجب أن يحاسب. لكن الخلاف الجوهري يبدأ عندما تنتقل المسؤولية من الأفراد والجهات التي ارتكبت الأفعال “فلول عبد الحي نفسه” إلى مجتمعات كاملة تُحمّل وزر مواقف أو أفعال لم يرتكبونها.

فهنا لا نكون أمام خطاب يطالب بالعدالة، بل أمام انتقال خطير من منطق المحاسبة إلى منطق الإدانة الجماعية. والفرق بين الاثنين كبير؛ فالعدالة تبحث عن الفاعل، أما خطاب التعميم فيبحث عن جماعة تحمل الذنب نيابة عن الفاعل الحقيقي الذي يعرفه عبد الحي كما يعرفه اهل السودان.

إن أخطر ما في هذا النوع من الخطاب أنه يجعل الهوية الاجتماعية معياراً للحكم الأخلاقي والسياسي على الناس. فالمواطن لا يعود يُنظر إليه باعتباره فرداً له موقفه ومسؤوليته الخاصة، وإنما باعتباره امتداداً لقبيلة أو منطقة أو جماعة اجتماعية. وهذه الفكرة تتعارض مع أبسط قواعد العدالة التي تقوم على مبدأ واضح: الإنسان يُحاسب على فعله، لا على اسمه ولا على نسبه ولا على انتمائه.

ولهذا فإن الحديث عن “استحالة التعايش” مع جماعات اجتماعية كاملة لم يكن تعبيراً عن غضب لحظي، وإنما خطاب يحمل آثاراً خطيرة على مستقبل السودان، لأنه يهدد بتحويل جراح الحروب المتطاولة إلى عداوات اجتماعية طويلة المدى.

إن مسؤولية رجل الدين في مثل هذه الظروف تكون أكبر من مسؤولية غيره، لأن الناس لا تستمع إلى كلمته باعتبارها رأياً شخصياً فقط، وإنما قد تستقبلها باعتبارها ذات وزن ديني وأخلاقي. ولذلك فإن المنبر الديني ليس مكاناً لإطلاق الأحكام الجماعية، وإنما مكان للدعوة إلى العدل وضبط النفس وحماية المجتمع من الانزلاق إلى معززات الانقسام.

إن المشكلة في خطاب عبد الحي يوسف ليست فقط في موقفه السياسي من الحرب، فالمواقف السياسية بطبيعتها قابلة للاختلاف، وإنما في انتقال الخطاب من نقد أفعال طرف سياسي أو عسكري إلى إصدار أحكام على مجموعات اجتماعية بأكملها، وكأن هناك جهة تمتلك وحدها حق تحديد من يستحق التعايش ومن لا يستحقه.

وهنا تظهر أزمة أعمق- أزمة احتكار الحقيقة والصواب. فمن أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمعات أن يظهر من يعتقد أنه يمتلك الحق الكامل في تعريف الوطنية، والدين، والفضيلة، وأن الآخرين لا يمثلون مجرد خصوم سياسيين، لكنهم يمثلون خطراً أخلاقياً يجب عزله. هذه العقلية هي التي تجعل الخلاف يتحول من تدافع سياسي إلى صراع وجودي.

لقد كان علماء الإسلام الأوائل أكثر إدراكاً لخطر احتكار الحقيقة من كثير من الخطابات المعاصرة التي تتحدث باسم الدين. فالإمام مالك بن أنس قال: “كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر”، وهي قاعدة تؤكد أن الإنسان مهما بلغ علمه لا يملك العصمة، وأن الرأي البشري يظل اجتهاداً قابلاً للنقاش. وكذلك كان الإمام أبو حنيفة يرفض أن يتحول اجتهاده إلى حقيقة مغلقة، ولذلك كان يرى أن رأيه هو أفضل ما وصل إليه من اجتهاد، لكنه يقبل أن يأتي غيره بما هو أقوى منه. هذه الروح العلمية هي التي صنعت تقاليد الحوار في الفكر الإسلامي، قبل أن تظهر تيارات الإسلام السياسي التي جعلت من رأيها الشيطاني الخاص معياراً للحقيقة ومن مخالفيها خصوماً للحق المُدعى نفسه.

إن الواعظ الحقيقي لا يحول نفسه إلى قاضٍ على المجتمع، ولا يمنح نفسه سلطة تصنيف الناس إلى صالحين وفاسدين، أو وطنيين وخونة، أو مستحقين للتعايش وغير مستحقين له. وظيفة الدين هي حماية الإنسان من الظلم، لا إنتاج أشكال جديدة من الوصاية عليه.

ومن هنا فإن التصريحات التي تطلق أحكاماً عامة على مجتمعات كاملة تستوجب موقفاً واضحاً من القيادات الاجتماعية التي تمثل تلك المجتمعات. فالنظار والعمد والمشايخ والأعيان والإدارات الأهلية ليسوا مجرد رموز اجتماعية، وإنما يتحملون مسؤولية الدفاع عن كرامة مجتمعاتهم وحمايتها من أن تتحول إلى هدف للتعميم والوصم.

ومن حق هذه القيادات هذه المجتمعات، بل من واجبها، أن تعلن موقفها بوضوح عبر البيانات العامة، وأن ترفض تحميل مجتمعات بأكملها مسؤولية أفعال تمثل ظواهر عامة موجودة في كل حروب الدنيا. كما أن من حقها اللجوء إلى المؤسسات القانونية والقضائية إذا رأت أن أي خطاب يتضمن تشهيراً أو إساءة أو تحريضاً ضد مجموعاتهم الاجتماعية.

فالرد على خطاب الإقصاء لا يكون بخطاب إقصائي مضاد، وإنما بالتمسك بمبدأ القانون. ومن حق أي مجتمع الدفاع عن كرامته، لكن دون التخلي عن القاعدة الأساسية: المسؤولية فردية، والجريمة شخصية، والقضاء وحده هو الذي يحدد المذنب.

إن هذه القضية لا تتعلق بشخص عبد الحي يوسف وحده، وإنما بنمط فكري وسياسي أوسع عرفه السودان خلال عقود، حيث تم استخدام الخطاب الديني أحياناً ليس فقط لتقديم القيم الأخلاقية، وإنما لمنح مواقف سياسية حزبية غطاءً مقدساً.

وهنا تظهر العلاقة بين هذا الخطاب وتجربة الإسلام السياسي في السودان، خصوصاً خلال فترة حكم نظام المخلوع عمر البشير الذي وصل إلى السلطة عام 1989، ورفع شعارات دينية كبرى لتقديم مشروعه السياسي. فقد كانت المشكلة دائماً ليست في الدين باعتباره منظومة قيم، وإنما في تحويل الدين إلى أداة لإضفاء الشرعية على اختيارات سياسية بشرية، وإعطاء بعض الجماعات الحزبية حق الادعاء بأنها تمثل الحقيقة والوطن أكثر من غيرها.

إن التجربة السودانية خلال تلك العقود كشفت أن استخدام الشعارات الدينية لم يكن كافياً لبناء دولة عادلة، لأن الدولة لا تقوم بالشعارات، وإنما بالمؤسسات، والعدالة، والمواطنة المتساوية. وعندما تصبح السياسة قائمة على تقسيم المجتمع بين من ينتمي إلى مشروع “صحيح” ومن يُنظر إليه باعتباره خصماً أو تهديداً، فإن النتيجة تكون مزيداً من الاستقطاب والانقسام.

وهنا تتشابه البنية الفكرية بين خطاب الأمس وخطابات اليوم: فكرة وجود طرف يحتكر تعريف الحق، ويمنح نفسه سلطة تحديد من هو الوطني ومن هو المرفوض. فالمشكلة ليست في الأشخاص فقط، وإنما في العقلية التي تنتج هذا النوع من التفكير.

إن السودان لم يدخل أزماته بسبب تنوعه الاجتماعي، فالتنوع كان دائماً جزءاً من ثروته، وإنما بسبب فشل الدولة والنخب المركزية السياسية والعسكرية والدينية في إدارة هذا التنوع بعدالة. فمنذ الاستقلال عام 1956 ظلت البلاد تعاني من أزمة بناء دولة المواطنة، حيث بقيت السلطة والثروة والقرار السياسي محكومة في كثير من الأحيان بعلاقات القوة والمحسوبية والمناطقية…ألخ لا بمبدأ العدالة و المساواة.

ولهذا فإن اختزال الحرب السودانية في قبائل أو مجموعات اجتماعية معينة يمثل هروباً من جذور الأزمة. فالحروب لا تصنعها القبائل ، وإنما تصنعها أنظمة سياسية فاشلة، ومؤسسات ضعيفة، ونخب عاجزة عن بناء عقد وطني يضمن مشاركة الجميع.

وقد أدرك ابن خلدون قبل قرون أن العصبية يمكن أن تكون قوة بناء إذا دخلت في إطار مشروع سياسي جامع، لكنها تصبح قوة هدم عندما تتحول إلى أداة لإقصاء الآخرين. والمشكلة ليست في وجود الانتماءات الاجتماعية، وإنما في استخدامها معياراً لتحديد الحقوق والواجبات.

ولهذا فإن السودان اليوم لا يحتاج إلى خطابات تبحث عن جماعات تحمل وزر الكارثة، بل يحتاج إلى شجاعة مواجهة الأسئلة الحقيقية: كيف وصلت الدولة إلى هذا الانهيار؟ لماذا تكررت الحروب منذ الاستقلال؟ ولماذا فشلت النخب السياسية والعسكرية والدينية في بناء وطن يتسع للجميع؟ فالإجابة عن هذه الأسئلة هي الطريق إلى السلام، أما تحويل مأساة هذه الحروب إلى أحكام جماعية فلن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة نفسها.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمعات الخارجة من الحروب-كالمجتمع السوداني ليس فقط الدمار المادي الذي تخلفه المعارك، وإنما الدمار الذي يصيب طريقة التفكير نفسها. فبعد أن تنتهي أصوات البنادق قد تستمر حرب أخرى في الوعي والذاكرة، حرب تُعيد إنتاج العداوات، وتحول الألم الحقيقي إلى مشروع دائم للانتقاء الأعداء. وهنا تظهر مسؤولية الخطابات السياسية والدينية والاجتماعية؛ فإما أن تساعد المجتمع على تجاوز الجراح عبر العدالة والمصالحة والتعايش، أو أن تحول هذه الجراح إلى هوية سياسية واجتماعية يصعب الخروج من دائرتها.

وفي الحالة السودانية، فإن أحد أخطر مظاهر الأزمة السودانية الراهنة هو محاولة اختزال الحرب في مجموعات اجتماعية بعينها، وكأن تاريخ البلاد بدأ في الخامس عشر من أبريل 2023، وكأن ما حدث كان نتيجة قرار اتخذته قبيلة أو منطقة أو مكون اجتماعي محدد. وهذه قراءة لا تظلم الحقيقة فقط، وإنما تمنع الوصول إلى جذور الأزمة.

فالحرب لم تبدأ لأن السودانيين اكتشفوا فجأة اختلافاتهم الاجتماعية، ولم تبدأ لأن قبيلة معينة قررت حمل السلاح ضد أخرى. فالتنوع الاجتماعي والثقافي كان موجوداً منذ قرون، ولم يكن في ذاته سبباً للحروب. المشكلة الحقيقية كانت دائماً في طبيعة الدولة التي فشلت في إدارة هذا التنوع، وفي النخب التي تعاملت مع السودان باعتباره دولة يمكن حكمها بمنطق السيطرة لا بمنطق المشاركة.

ومنذ الاستقلال عام 1956 ظل السودان يعاني من أزمة عميقة في بناء الدولة الوطنية. فقد تعاقبت الأنظمة العسكرية والمدنية دون أن تنجح في تأسيس عقد اجتماعي يجعل المواطنة أساس الحقوق والواجبات. وظلت أسئلة السلطة والثروة والعدالة والتنمية غير محسومة، مما أدى إلى تراكم الإحباطات وظهور الحركات المسلحة والصراعات الطرفية.

إن من يتحدث عن نتائج الحرب فقط، ويغض الطرف عن الأسباب التي صنعت البيئة التي أنتجتها، يقدم جزءاً ناقصاً من الحقيقة. فالحديث عن القتل والنزوح والانتهاكات واجب أخلاقي، لكن الواجب نفسه يفرض السؤال: كيف وصل السودان إلى هذه المرحلة؟ ومن المسؤول عن بناء نظام سياسي جعل السلاح أكثر تأثيراً من المؤسسات؟ ومن الذي سمح بتراكم الأزمات حتى انفجرت بهذه الصورة؟

إن اختزال الأزمة في “حواضن اجتماعية” أو في مجموعات بشرية كاملة يمثل هروباً من مواجهة مسؤولية تاريخية أوسع. فالحروب لا يصنعها المجتمع وحده، وإنما تصنعها الخيارات السياسية، والفشل المؤسساتي، والصراعات على السلطة، وغياب مشروع وطني قادر على استيعاب الجميع.

وهنا تظهر خطورة الخطاب الذي يحاول تحويل الحرب من صراع سياسي وعسكري إلى صراع هويات اجتماعية. فعندما يصبح المواطن متهماً بسبب قبيلته، فإننا ننتقل من دولة القانون إلى دولة الشك والانتقائية الاثنية. وعندما يصبح الانتماء الاجتماعي دليلاً على الإدانة، فإن المجتمع كله يصبح أسيراً لمنطق الثأر و”القوي يأكل الضعيف”.

إن العدالة الحقيقية لا تحتاج إلى قوائم اجتماعية، وإنما تحتاج إلى حقائق وأدلة وقضاء مستقل. فكل من ارتكب جريمة يجب أن يحاسب، أياً كان موقعه أو انتماؤه، ولكن لا يجوز أن تتحول المحاسبة إلى محولات اتهام بالعقاب الجماعي. لأن العقاب الجماعي ليس عدالة، بل هو إعادة إنتاج للظلم الذي يدعي البعض أنهم يحاربونه.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى في بعض الخطابات التي ترفع شعار الدفاع عن المظلومين، لكنها في الوقت نفسه تستخدم لغة يمكن أن تنتج مظالم جديدة بحق أبرياء لا علاقة لهم بالجرائم المرتكبة. فالعدالة لا تكون انتقائية، ولا يمكن أن تكون أخلاقية عندما تُطبق على الخصوم فقط وتُعفى منها الجهات القريبة سياسياً أو فكرياً والتي بقناعة كل اهل السودان هي من اشعلت هذه الحرب.ولهذا فإن مسؤولية القيادات الدينية والسياسية والاجتماعية اليوم هي إعادة الاعتبار لمفهوم المواطنة. فالسودان لن يخرج من أزمته إذا استبدل خطاباً إقصائياً بخطاب إقصائي آخر، أو إذا انتقل من البحث عن العدالة إلى البحث عن ضحايا جدد.

إن التجربة السودانية مع الإسلام السياسي تقدم درساً مهماً في هذا السياق. فالمشكلة لم تكن في وجود تيار يحمل مرجعية دينية، فهذا حق سياسي وفكري لأي جماعة، وإنما في لحظة تحول المشروع السياسي إلى محاولة لاحتكار الدولة والمجتمع، وتقديم رؤية واحدة باعتبارها التعبير الوحيد عن الحقيقة.

لقد أدى هذا النوع من التفكير إلى إضعاف فكرة التعدد، لأن الدولة عندما تصبح ملكاً لفكرة واحدة أو جماعة واحدة تفقد قدرتها على تمثيل جميع مواطنيها. والمجتمع الذي يُطلب منه أن يختار بين الولاء أو الإقصاء لا يمكن أن يبني استقراراً دائماً.

إن بعض الخطابات االفلولية التي ظهرت بعد حرب 15 ابريل، تعيد إنتاج المشكلة نفسها بطريقة مختلفة؛ فهي لا تقبل فقط بهزيمة الخصم السياسي (وهي غير قادرة على ذلك)، بل تسعى إلى نزع الشرعية الاجتماعية عنه، وتحويل الاختلاف السياسي إلى حكم أخلاقي دائم. وهذه هي النقطة التي تجعل خطاب عبد الحي يوسف مرفوض جملة وتفصيلاً، لأنه لا يقف عند حدود الموقف السياسي، وإنما يقترب من إنتاج تصور يجعل التعايش نفسه محل شك بسبب الهوية الاجتماعية.

إن التعايش ليس مكافأة تمنحها جماعة لجماعة أخرى، وليس قراراً يملكه فرد أو تيار سياسي أو ديني. التعايش هو أساس وجود الدولة نفسها. وإذا فقد المواطنون الإيمان بأنهم قادرون على العيش المشترك رغم اختلافاتهم، فإن الدولة تتحول إلى كونها مجرد مساحة جغرافية لصراعات لا تنتهي.

ومن هنا فإن مسؤولية النظار والعمد والمشايخ والأعيان والإدارات الأهلية تتجاوز الدفاع عن السمعة الاجتماعية فقط، إلى المساهمة في حماية فكرة السودان الواحد. فهذه القيادات مطالبة برفض أي خطاب يزرع الكراهية، لكنها مطالبة أيضاً برفض خطاب الثأر المضاد، لأن حماية المجتمع لا تكون بتكريس الانقسام، وإنما بتثبيت مبادئ العدالة والقانون.

إن الرد على خطاب الكراهية لا يكون بكراهية مقابلة، والرد على التعميم لا يكون بتعميم آخر. فالطريق الوحيد للخروج من هذه الدائرة هو أن يصبح القانون هو المرجع، وأن تصبح المواطنة هي الأساس.

إن السودان يحتاج اليوم إلى مراجعة عميقة لعلاقته بالدين والسياسة والهوية. فالدين يمكن أن يكون قوة أخلاقية عظيمة عندما يدعو إلى الرحمة والعدل، لكنه يصبح خطراً عندما يستخدم لإغلاق العقول أو منح البشر سلطة لا يملكونها على غيرهم.

لقد أثبت التاريخ أن أخطر اللحظات هي تلك التي يختلط فيها المقدس بالصراع السياسي، لأن الإنسان عندما يعتقد أن موقفه السياسي يمثل إرادة الله يصبح أقل استعداداً لمراجعة نفسه، وأكثر استعداداً لإدانة الآخرين. ولهذا فإن حماية الدين لا تكون بمنع النقد، وإنما بمنع استخدامه في الصراعات البشرية. فالدين أكبر من الأشخاص، وأسمى من الأحزاب، وأوسع من أن يُختزل في خطاب يفرق بين الناس.

إن السودان اليوم أمام اختبار تاريخي: هل سيختار طريق بناء دولة المواطنة، أم سيستمر في إعادة إنتاج صراعات الماضي؟ هل سيختار العدالة أم الانتقام؟ هل سيحاسب الأفراد على أفعالهم أم سيبحث عن جماعات تحمل وزر الكارثة؟

الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد مستقبل البلاد. فالأوطان لا تُبنى عندما ينتصر فريق على فريق، وإنما عندما ينتصر مبدأ العدالة على منطق الغلبة، والقانون على منطق العصبية، والمواطنة على منطق الإقصاء.

وسيظل السؤال الأخلاقي الأكبر أمام كل من يتحدث باسم الدين أو الوطن: هل جاءت كلمته لتضميد جراح الناس بعد هذه الحرب، أم لتجعل الحرب قابلة للاستمرار؟

فبين من يستخدم المنبر لبناء السلام وتعزيز العايش، ومن يستخدمه لتوسيع الانقسام والتشظي، مسافة هي ذاتها المسافة بين رسالة الإصلاح ومنطق الاستقطاب. فالسودان بعد كل ما فقده، لا يحتمل المزيد من خطابات تقسيم أبنائه. إنه يحتاج إلى شجاعة الاعتراف بالحقيقة كاملة- حقيقة الجرائم، وحقيقة أسباب الحرب، وحقيقة مسؤولية النخب التي فشلت في بناء دولة عادلة.

فالمستقبل لن يصنعه من يوزعون الاتهامات، وإنما من يملكون القدرة على بناء وطن لا يكون فيه الإنسان مطالباً بإثبات براءته بسبب اسمه أو قبيلته، وإنما يُحاكم فقط بما فعل.

وهذه هي القاعدة التي يجب أن تبدأ منها أي معالجة حقيقية لازمة السودان: لا عدالة بلا حقيقة، ولا سلام بلا مواطنة، ولا وطن بلا مساواة بين جميع أبنائه. و إلا فليمت عبدالحي يوسف بعنصريته المغطاة بمظلة الدين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!