
محمد غافل
2- الجذور الفكرية… من التنظيم الثوري إلى المؤسسة المدنية
جاءت فكرة اللجان المدنية السودانية امتدادًا لتجربة سياسية ومجتمعية عميقة تشكلت خلال سنوات حراك ديسمبر ، واستفادت من الخبرات التنظيمية التي راكمتها لجان المقاومة في مختلف أنحاء السودان، فالمؤسسون هم في الأصل من أبناء تلك التجربة وأسهموا في العمل الثوري والتنظيمي منذ انطلاق الثورة، وظلوا مؤمنين بأن أهدافها لم تتحقق بصورة كاملة وأن مسؤولية القوى الثورية لا تنتهي بإسقاط الأنظمة وإنما تمتد إلى المشاركة في بناء الدولة والمجتمع، وتؤمن اللجان المدنية السودانية بأن لجان المقاومة مثلت واحدة من أهم التجارب الشعبية في التاريخ السوداني الحديث، إذ نجحت في حشد وقيادة الجماهير وتنظيم العمل الميداني وترسيخ قيم المشاركة والتطوع والتضحية من أجل الوطن، وقد شكلت هذه التجربة المرجعية الفكرية الأولى التي انطلقت منها فكرة اللجان المدنية السودانية، غير أن التجارب التنظيمية مهما بلغت نجاحاتها تظل بحاجة إلى المراجعة والتطوير بما يتوافق مع متطلبات كل مرحلة، ومن خلال تجربة العمل الميداني توصل المؤسسون إلى أن أحد أبرز التحديات التي واجهت لجان المقاومة تمثل في طبيعة بنيتها التنظيمية الأفقية إذ لم تكن هناك قيادة اتحادية موحدة أو مؤسسة مركزية تتولى التنسيق بين اللجان في مختلف الولايات والمحليات الأمر الذي حدَّ من قدرتها على توحيد القرار وإدارة المبادرات المشتركة والتحدث بصوت واحد في القضايا الوطنية، وقد كان لهذا النموذج التنظيمي مبرراته في مرحلة الثورة حيث فرضت الظروف الأمنية والسياسية الاعتماد على اللامركزية والاستقلالية إلا أن المرحلة التي أعقبت اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل 2023م فرضت تحديات مختلفة تتطلب قدرًا أكبر من التنظيم والتنسيق والمؤسسية.
ومن هنا جاءت فكرة اللجان المدنية السودانية ليس باعتبارها مرحلة جديدة في تطور تلك التجربة فقد رأى المؤسسون أن بناء تنظيم مدني قادر على أداء أدوار سياسية ومجتمعية وإنسانية يتطلب وجود هيكل تنظيمي واضح وقيادة اتحادية منتخبة أو معينة وفق النظام الأساسي وهيئة قيادية عليا ومكتب اتحادي يتولى تنسيق العمل بين الولايات والمحليات مع الحفاظ على المشاركة الواسعة في صناعة القرار داخل المؤسسة، ويقوم هذا النموذج على مبدأ الجمع بين المؤسسية والمشاركة، فوجود قيادة اتحادية لا يعني إلغاء دور القواعد وإنما يهدف إلى توحيد الرؤية وتنسيق الجهود وتعزيز الانضباط التنظيمي وضمان تنفيذ البرامج والخطط وفق رؤية مشتركة تخدم أهداف اللجان المدنية السودانية، كما رأى المؤسسون أن العمل المدني في مرحلة ما بعد الحرب يتطلب مؤسسة قادرة على التخطيط وإدارة المبادرات وبناء الشراكات والتواصل مع مؤسسات الدولة والمنظمات الوطنية والدولية، وهو ما يستدعي وجود جسم تنظيمي واضح المعالم تحدد فيه المسؤوليات والصلاحيات وآليات اتخاذ القرار.
ومن هذا المنطلق جاءت اللجان المدنية السودانية بوصفها تطويرًا للفكرة التي انطلقت منها لجان المقاومة مع الاحتفاظ بقيمها الأساسية المتمثلة في الحرية والسلام والعدالة والعمل الطوعي والمشاركة الشعبية وإضافة بُعد مؤسسي ينسجم مع متطلبات المرحلة الجديدة ويؤهلها للإسهام في بناء السلام وإعادة الإعمار ودعم مؤسسات الدولة وخدمة المجتمع ويجنبهاعرضة الاستغلال من قبل الاحزا السياسية.
إن اللجان المدنية السودانية ترى أن نجاح أي مشروع وطني لا يعتمد على سلامة الفكرة وحدها بل يحتاج أيضًا إلى مؤسسة قوية وقيادة مسؤولة وتنظيم قادر على تحويل المبادئ إلى برامج والرؤى إلى واقع وهو ما سعت إلى بنائه منذ لحظة تأسيسها.
ومن هذا المنظور فإن تأسيس اللجان المدنية السودانية لم يكن مجرد تغيير في الاسم أو الشكل التنظيمي بل كان تعبيرًا عن انتقال إلى مرحلة جديدة تسعى إلى تحويل الطاقة الثورية إلى عمل مؤسسي منظم يربط بين قيم الثورة ومتطلبات بناء الدولة ويستجيب للتحولات التي فرضها الواقع السوداني.
نواصل …




