جيش بلا شرعية تحت مجهر السلاح الكيماوي: هل تفتح لاهاي أبواب المحاسبة الدولية؟
التنوير: تقرير القسم السياسي

التنوير: تقرير القسم السياسي
لم يعد ملف الأسلحة الكيميائية مجرد اتهام سياسي تتبادله أطراف الحرب السودانية، بعدما أعلنت الولايات المتحدة بصورة رسمية أن الجيش الخاضع بقيادة عبد الفتاح البرهان استخدم أسلحة كيميائية خلال عام 2024. ويضع الاتهام السلطة العسكرية القائمة في بورتسودان، الفاقدة للتفويض الشعبي والشرعية الدستورية الديمقراطية، أمام أخطر اختبار قانوني ودبلوماسي منذ اندلاع الحرب، خصوصاً مع مطالبة واشنطن بإعلان شامل، وتفتيش دولي غير مشروط، ومحاسبة المسؤولين عن الاستخدام والتستر عليه.
التحديد الأمريكي الحاسم ونقل الملف من المناورة السياسية إلى حيز العقوبات
لم يكن الإعلان الصادر عن الإدارة الأمريكية مجرد تعبير دبلوماسي عابر عن القلق، أو رصداً لشهادات ميدانية تحتمل التأويل السياسي في خضم النزاع المسلح؛ بل جاء بمثابة تحديد رسمي قاطع جرى اتخاذه بموجب الآليات القانونية الصارمة التي تحكم السياسة الخارجية الأمريكية. فبموجب قانون مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والقضاء على الحروب الصادر عام 1991، توصلت واشنطن إلى قناعة قانونية ومادية تفيد بأن القوات المسلحة السودانية، تحت إشراف القيادة العسكرية القائمة في بورتسودان، قد استخدمت مواد كيميائية سامة كأسلحة في جبهات القتال خلال عام 2024.
هذا التوصيف القانوني يتجاوز في آثاره لغة الإدانة السياسية المعتادة، إذ يفرض على الإدارة الأمريكية اتخاذ إجراءات عقابية إلزامية بموجب القانون الفيدرالي. وتتضمن هذه الحزمة قيوداً مباشرة على الصادرات ذات الاستخدام المزدوج، وحظراً على الدعم المالي والائتماني الحكومي، ووقف أي مساعدات غير إنسانية. ويمثل هذا التحديد ضربة بالغة الأثر لمحاولات السلطة العسكرية الرامية إلى انتزاع اعتراف دولي بتمثيلها الشرعي للدولة، إذ يضع ممارساتها العسكرية في الخانة القانونية نفسها التي تقع فيها الكيانات المارقة المهددة للأمن والسلم الدوليين، مما يضيق الخناق الدبلوماسي عليها ويجردها من أدوات المناورة الخارجية.
التزامات معاهدة 1999 وحقائق الخرق القانوني للدولة السودانية في المنظومة الدولية
تكتسب هذه الاتهامات وزناً قانونياً إضافياً بالنظر إلى التزامات السودان الدولية الموثقة؛ فالجمهورية السودانية ليست دولة خارج النظام القانوني لحظر أسلحة الدمار الشامل، بل هي دولة عضو صدقت على اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية منذ عام 1999. هذا الانضمام يرتب على عاتق الدولة التزامات قانونية حاسمة لا يمكن التنصل منها، وفي مقدمتها الامتناع المطلق عن تطوير أو إنتاج أو تخزين أو استخدام هذه الفئة من الأسلحة، إلى جانب تدمير أي منشآت أو مخزونات مرتبطة بها تحت إشراف دولي مباشر.
وبناءً على هذا الإطار التعاهدي، فإن أي سلطة عسكرية تتولى قيادة مفاصل الدولة، حتى وإن كانت مفتقرة للشرعية الدستورية والتفويض الانتخابي الشعبي كما هو حال سلطة بورتسودان الحالية، تظل مسؤولة ومساءلة أمام المجتمع الدولي عن الوفاء بهذه الالتزامات. إن ثبوت استخدام هذه المواد السامة يعني ارتكاب خرق جسيم لاتفاقية دولية رئيسية، وهو ما ينسف ادعاءات الالتزام بالقانون الدولي التي تسوقها المنظومة العسكرية في المحافل الدولية للتغطية على انقلابها العسكري الصادر في 25 أكتوبر 2021، ويفتح الباب أمام ملاحقة الدولة والمسؤولين الفعليين عنها دولياً.
منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والفصل الدقيق بين الإدانة الفنية والضغط الدبلوماسي
من الضروري في سياق القراءة التحليلية الرصينة التمييز بدقة بين الإجراءات الأحادية الجانب والقرارات الصادرة عن المؤسسات الدولية متعددة الأطراف. يتولى المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، ومقره في لاهاي، مسؤولية الرقابة الفنية ومتابعة امتثال الدول الأعضاء لبنود الاتفاقية، ولديه صلاحيات إرسال بعثات تقصي الحقائق وإجراء تفتيش التحدي بناء على طلبات رسمية تقدمها الدول الأطراف.
إن الإعلان الصادر عن واشنطن، ورغم ثقله الجيوسياسي والاقتصادي الكبير، لا يعني من الناحية القانونية صدور حكم نهائي بخرق الاتفاقية من قبل المنظمة الدولية نفسها، كما لا يمثل إدانة قضائية دولية مبرمة حتى اللحظة. تعتمد منظمة حظر الأسلحة الكيميائية على مسارات فنية صارمة تشمل جمع العينات البيئية والبيولوجية من مسرح الحادث وتحليلها في مختبرات دولية مستقلة ومعتمدة قبل إصدار تقاريرها الرسمية حول عدم الامتثال. لذلك، يمثل التحديد الأمريكي قوة دفع سياسية كبرى باتجاه تدويل الملف، لكنه يظل مساراً مستقلاً يحتاج إلى استكمال الأدوات الفنية والتحقيقات الميدانية للمنظمة للوصول إلى إدانة قضائية دولية مكتملة الأركان.
تحقيقات منصة مراقبون الميدانية ورصد سلسلة التوريد من المصدر الهندي إلى المنظومة الدفاعية
في الجانب المتعلق بجمع الأدلة الميدانية الموثقة، كشفت تحقيقات استقصائية دقيقة نشرتها منصة مراقبون عن معطيات فنية خطيرة تدعم فرضية استخدام الغازات السامة في العمليات العسكرية. ركزت هذه التحقيقات على تفاصيل هجومين محددين وقعا في 5 و13 سبتمبر 2024 في محيط مصفاة الجيلي شمال العاصمة الخرطوم، وهي منطقة شهدت معارك طاحنة للسيطرة على هذا المرفق الحيوي.
وقد تمكن التحقيق من توثيق وجود براميل تحوي غاز الكلور السام في مسرح العمليات، وجرى تصوير وفحص الرقم التسلسلي المطبوع على أحد هذه البراميل ومطابقته ببيانات سلاسل التوريد العالمية. وأظهرت الوثائق المستخلصة أن هذا البرميل كان جزءاً من شحنة مخصصة للاستيراد مكونة من 17 برميلاً من غاز الكلور المسال، صدرت من قبل شركة كيميائية هندية معروفة، وجرى استيرادها لحساب شركة الموانئ الهندسية السودانية. وبيّن التحقيق الاستقصائي أن هذه الشركة المستوردة ترتبط بشبكة معقدة من العلاقات التجارية والإدارية التي تنتهي مباشرة عند المنظومة الصناعية الدفاعية التابعة للجيش السوداني، مما يوفر قرينة مادية بالغة الأهمية تربط الكيانات العسكرية الحاكمة بشحنات المواد السامة التي ظهرت في محيط القتال.
تهافت سردية تطهير المياه أمام المعطيات التقنية وتوزيع المواد الكيميائية في مناطق الصراع
حاولت الآلة الإعلامية التابعة لقيادة الجيش في بورتسودان الدفاع عن موقفها عبر تبني سردية تبريرية ترتكز على أن شحنات غاز الكلور المستوردة مخصصة حصراً للأغراض المدنية، وتحديداً لتنقية مياه الشرب وصيانة المحطات المائية في المناطق السكنية. إلا أن هذه السردية تتهاوى بسرعة عند إخضاعها للمقارنة الفنية مع المعطيات الميدانية والشهادات الصادرة عن الكيانات الإنسانية المستقلة.
وتشير الإفادات الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة اليونيسف والشركاء الدوليين العاملين في قطاع المياه والإصحاح إلى أن الإمدادات المخصصة لتطهير المياه تتبع قنوات إنسانية مستقلة وصارمة لضمان عدم توظيفها عسكرياً، وتخضع لرقابة مباشرة من المنظمات الدولية. علاوة على ذلك، فإن تحريك مواد كيميائية بهذه الخطورة عبر شركات مرتبطة بالمنظومة العسكرية وتخزينها في محيط جبهة قتال ساخنة ومغلقة عسكرياً كمصفاة الجيلي، يتناقض كلياً مع الاستخدام المدني الطبيعي، خاصة مع توقف شبكات مياه الشرب في تلك الأنحاء نتيجة التدمير الشامل للبنية التحتية. ومع قوة هذه القرائن التي تكشف تهافت الرواية الرسمية، فإن دور الصحافة يقتصر على عرضها وتفكيكها بنزاهة، دون تحويل التحقيق الصحفي بمفرده إلى حكم قضائي نهائي يستبق آليات التحقيق الجنائي الدولي.
المسار الزمن للحصار المالي والاقتصادي والفروق الجوهرية في حزم العقوبات المتعاقبة
في سياق تتبع السياسة العقابية المفروضة على السلطة القائمة في بورتسودان، ينبغي للقراءة التحليلية فرز المسارات الزمنية بدقة لتمييز طبيعة وأهداف الحزم العقابية الأمريكية المختلفة، ومنع خلط الأوراق حول أسباب هذا الحصار الاقتصادي المتزايد.
جاءت الحزمة العقابية الصادرة في مايو 2025 لتركز بصورة أساسية على تجميد أصول وحظر سفر قيادات عسكرية في الجيش والدعم السريع، فضلاً عن الكيانات التجارية والمالية التي تساهم في إشعال الحرب وتقويض جهود الانتقال السلمي، مستندة إلى ملف انتهاكات حقوق الإنسان العامة وإعاقة مسارات الإغاثة الإنسانية. في المقابل، تأتي الإجراءات والقيود المفروضة لاحقاً خلال عام 2026 كاستجابة نوعية ومباشرة للتحديد القانوني الصادر بموجب قانون مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية. وتستهدف هذه القيود بشكل خاص حظر نقل التكنولوجيا المتقدمة ذات الاستخدام المزدوج، وتقييد الضمانات الائتمانية والصادرات الأمريكية ذات الطابع الفني للمؤسسات المرتبطة بالجيش، مما يشكل مساراً عقابياً مستقلاً وموجهاً بصرامة ضد برامج التسلح واستخدام الغازات السامة.
قراءة هادئة في مسودة الكونغرس وحقيقة النفوذ الدبلوماسي لتجميد العضوية الأممية
تتطلب معالجة المساعي التشريعية داخل الكونغرس الأمريكي قراءة هادئة ومجردة من التهويل الإعلامي المعتاد، لاسيما فيما يتعلق بمشروع القانون المعروف بالرمز H.R. 1939 المطروح للنقاش والبحث.
ويجب التوضيح بشكل رصين أن هذا المشروع بصيغته الحالية لم يكتمل كقانون نافذ، ولم يقر تجميداً فعلياً لعضوية السودان في منظمة الأمم المتحدة؛ فالولايات المتحدة، رغم نفوذها الهائل، لا تملك الصلاحية القانونية المنفردة لإلغاء أو تعليق عضوية دولة كاملة السيادة في المنظمة الأممية بشكل مباشر. يتضمن نص المسودة المنشورة مطالبة الإدارة الأمريكية بوضع استراتيجية صارمة لمواجهة تجاوزات سلطة الأمر الواقع في بورتسودان، واستخدام النفوذ الدبلوماسي والدبلوماسية النشطة داخل أروقة الأمم المتحدة لحث الدول الأعضاء على اتخاذ مواقف جماعية متشددة، مما يوضح أن الغرض هو ممارسة الضغط الدبلوماسي الشامل وتطويق السلطة العسكرية دولياً وليس إصدار قرار أممي من جانب واحد.
اللجان الوطنية التابعة لسلطة الأمر الواقع ومعضلة غياب الاستقلالية والنزاهة الفنية
أمام الضغوط الدولية المتصاعدة والتحديد الأمريكي الرسمي، انتهجت سلطة بورتسودان العسكرية سياسة الرفض المطلق للاتهامات، واصفة إياها بمحاولات الاستهداف السياسي لثنيها عن مواصلة العمليات العسكرية. وفي هذا الإطار، أعلنت السلطة عن تشكيل لجنة وطنية للتحقيق في مزاعم استخدام الكلور والمواد الكيميائية في جبهات القتال، في محاولة واضحة لامتصاص السخط الدولي وتقديم بديل محلي يغني عن التدخل الفني الخارجي.
إلا أن هذا التوجه جوبه برفض دبلوماسي وحقوقي قاطع، حيث ترى واشنطن والمنظمات الحقوقية المستقلة أن لجنة التحقيق الوطنية المشكلة من قبل قيادة الجيش تفتقر لأدنى معايير النزاهة والاستقلالية المطلوبة في مثل هذه القضايا الحساسة. إن تكليف جهة حكومية خاضعة لسيطرة الطرف المتهم ذاته بالتحقيق في ارتكابه لجرائم حرب كيميائية يتناقض مع المبدأ القانوني القاضي بعدم جواز الجمع بين صفتي الخصم والحكم في قضية واحدة. لذلك، يظل التحقيق الداخلي قاصراً عن تلبية الشروط الموضوعية التي يفرضها المجتمع الدولي، والذي يصر على ضرورة خضوع هذه المنشآت لآليات تفتيش دولية مستقلة تضمن نزاهة النتائج ومصداقيتها القانونية.
آفاق المحاسبة الجنائية وعقبات التحرك تحت الفصل السابع في ظل الانقسام الدولي
يتطلع المتابعون لملف استخدام الأسلحة الكيميائية في السودان إلى آفاق المحاسبة الجنائية الدولية وإمكانية نقل الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية أو مجلس الأمن. ومن الناحية القانونية الصرفة، يمثل استخدام هذه الأسلحة جريمة حرب واضحة تقع ضمن نطاق الاهتمام الدولي، إلا أن تفعيل هذه الآليات يصطدم بعقبات جيوسياسية بالغة التعقيد.
فمن جهة، لا تزال إحالة ملف استخدام السلاح الكيميائي إلى المحكمة الجنائية الدولية خطوة غير منجزة بصفة رسمية ومستقلة، إذ يقتصر نطاق عمل المحكمة الحالي في السودان على الجرائم المرتكبة في إقليم دارفور بموجب تفويض قديم صادر عن مجلس الأمن. ومن جهة أخرى، فإن تدويل القضية للدفع بفرض تدابير قسرية أو إجراءات تفتيش إجبارية بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة يظل احتمالاً مستبعداً في المدى القريب؛ نظراً لحالة الاستقطاب الحاد والانقسام الجيوسياسي داخل مجلس الأمن، واحتمالية لجوء قوى دولية حليفة لسلطة بورتسودان لاستخدام حق النقض الفيتو لتعطيل أي تحرك دولي حاسم ضد المنظومة العسكرية القائمة.
الاتهامات الأمريكية لا تستهدف دولة منتخبة أو حكومة حائزة على تفويض شعبي، بل سلطة عسكرية قامت فوق أنقاض الانتقال مدني وأدارت الحرب من دون شرعية ديمقراطية. غير أن فقدان الشرعية السياسية، على أهميته، لا يغني عن ضرورة التحقيق الفني المستقل؛ فالمحاسبة الأكثر صلابة هي التي تجمع بين انعدام التفويض، والأدلة المادية، وسلسلة القيادة، ونتائج التفتيش الدولي. وإذا أثبت التحقيق المستقل استخدام الكلور كسلاح، فلن يكون الأمر مجرد انتهاك جديد في سجل الحرب، بل خرقاً لاتفاقية دولية وجريمة تستوجب تعقب الآمرين والمنفذين والممولين وكل من شارك في الإخفاء أو التضليل.




