رأي

لماذا يصطف بعض الأكاديميين خلف البرهان والإسلامويين؟

عبد الرحمن العمرابي

في لحظة حاسمة من تاريخ السودان، حيث تزداد وضوحًا معالم الصراع بين مشروعين: أحدهما يسعى لتأسيس دولة مدنية عادلة تعبّر عن غالبية السودانيين، وآخر يُعيد تدوير رموز السلطة والقمع تحت لافتات زائفة؛ جاء قرار رئيس وزراء ما يُسمى بـ”حكومة الأمل” – البروفيسور كامل إدريس – بتعيين ثلاثة أكاديميين في مناصب وزارية، كاشفًا عن مأساة فكرية وأخلاقية تعيشها النخبة السودانية.

فأن يتقدّم ثلاثة من حملة أعلى الدرجات الأكاديمية – في الصحة والزراعة والتعليم العالي – ليصبحوا واجهة لحكومة يهيمن عليها الإسلامويون والعسكريون، فذلك لا يُعدّ نجاحًا للمهنية بقدر ما هو خيانة للثورة، وتواطؤ ضمني مع منظومة الاستبداد.

أولًا: غياب مشروع وطني بديل شامل

• فراغ القيادة المدنية بعد انهيار تجربة “قحت” وارتباك المشهد المدني أوجد فراغًا جذابًا للباحثين عن دور وتأثير، مما جعل خيار الانخراط في حكومة بورتسودان، رغم علاتها، يبدو للبعض مخرجًا “عمليًا”.

• ضعف التيارات الثورية في تقديم منصة ناضجة تستوعب الكفاءات الوطنية خارج الأطر الحزبية التقليدية أو المحاور الجهوية مع ممارسه أسلو إقصائي من قبل التنظيمات المدنيه الثوريه لهذه المجموعه كما حدث عند قيام تقدم وتهميشها وإقصائها للمستقلين كافراد دون انتماء لجهه معينه.

ثانيًا: إغراء النفوذ والوجاهة الأكاديمية

• الأكاديميون، بخاصة من خارج السودان أو من الشتات، يتوقون غالبًا إلى أدوار مركزية في الوطن، وحين يُعرض عليهم موقع وزاري تحت مسمى “الخبراء المستقلين”، يغلب على بعضهم الطموح الشخصي أو الغرور المهني.

• حكومة البرهان تستخدم هؤلاء كـواجهة شرعية لتحسين صورتها أمام الخارج والداخل، مع الحفاظ على السيطرة الفعلية بيد المؤسسة العسكرية والتنظيم الإسلامي العميق.

ثالثًا: خداع “الحياد الأكاديمي”

• يروّج بعض المهنيين المنخرطين في هذه الحكومة لفكرة أنهم “تقنيون” لا علاقة لهم بالصراع السياسي، بينما الانخراط في حكومة عسكرية مدعومة من الإسلامويين هو موقف سياسي بامتياز.

• هذا الخداع يمنح الغطاء لحكومة بلا سند شعبي، ويغذي وهم أن “المشكلة سياسية فقط” وليست بنيوية مرتبطة بالإقصاء والعنف ونهب الدولة.

رابعًا: الارتباطات القديمة والمصالح المتقاطعة

• بعض الأسماء لها ماضٍ معروف من التقارب مع النظام البائد، أو استفادوا منه أكاديميًا أو مؤسسيًا، وبالتالي فإن عودتهم للسلطة ليست انحرافًا بل امتدادًا لمسار طويل.

• كما أن بعض المؤسسات الإقليمية والدولية التي تموّل مشاريع البحث والتدريب، تُفضل التعامل مع سلطات “مستقرة” حتى لو كانت غير ديمقراطية.

خامسًا: تخويف النخب من بدائل “الهامش الثوري”

• يُقدَّم تحالفي “تأسيس وصمود” وأمثالهم على أنهم “شعبويون” أو “جهويون”، مما يثير فزعًا لدى بعض النخب من أن تتحول السلطة إلى من لا ينتمون للمركز التاريخي أو النخبة القديمة كما هو في تاسيس او مقدموا طرح اكثر اخلاقيه مع انتمائه للمركز كصمود. .

• هذا الشعور بالتهديد قد يدفع بعض الأكاديميين للاحتماء بـ”الدولة العميقة” للحفاظ على امتيازاتهم الطبقية والمعنوية او ايجاد مدخل آخر حين أقصاهم من اقرب اليهم منهجياً.

هل هذه هي “الأمل”؟

إذا كانت حكومة البرهان وإسلامييه هي “الأمل”، فبئس الأمل هذا!

حكومة تقف على جثث آلاف الشهداء، وتُدار من وراء الكواليس من قبل منظومة أمنية فاسدة، وتتحالف مع قوى إقليمية تسعى لطمس هوية السودان واستعباد قراره الوطني.

الختام: التواطؤ الصامت

السكوت على هذا الاصطفاف هو تواطؤ. وتبريره باسم الوطنية أو الواقعية هو خيانة مضاعفة.

إن على كل من يزعم الانحياز للعلم والمعرفة أن يعلن انحيازه للثورة والحرية أولًا، وإلا أصبح شاهد زور على مرحلة جديدة من الخراب.

إن من يسير في ركب البرهان اليوم، أكان عسكريًا أو أكاديميًا، إنما يُسهم في إطالة أمد الحرب، وتأجيل ميلاد الدولة التي حلم بها الشهداء

الاصطفاف خلف سلطة فقدت شرعيتها الأخلاقية والثورية ليس مجرد “قرار مهني”، بل هو اصطفاف ضد مسار التاريخ وضد مطالب ملايين السودانيين الذين خرجوا للمطالبة بالحرية والسلام والعدالة.

إن معركة السودان اليوم ليست حول من هو الأكفأ علميًا، بل من هو الأوفى أخلاقيًا لمبادئ الثورة ومصالح الشعب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!