رأي

الكتاب الثاني للثورة السودانية – الامتحان المكشوف (6) الهوية الوطنية الجامعة: كيف نبنيها فوق الأنقاض؟

مجدي محمد مصطفى ماكن

 

 مجدي محمد مصطفى ماكن

مدخل أول

في راكوبة صفية المبنية من القش وأعواد الحطب داخل أحد معسكرات اللجوء، يجلس عشرات الأطفال على حصيرة بلاستيكية واحدة. هؤلاء الأطفال ينتمون لقبائل وإثنيات مختلفة، وربما كان آباؤهم يتقاتلون بالأمس القريب في مسارح العمليات. اليوم، يتقاسمون كراساً ممزقاً، وقلم رصاص، وكسرة خبز جافة، وتجمعهم مأساة النزوح وقسوة شمس الظهيرة. في المقابل، وعلى بعد آلاف الكيلومترات في عاصمة أجنبية باردة، يجلس سياسيون يرتدون بدلات فاخرة حول طاولة تفاوض. يتشاجرون بضراوة، يرفعون أصواتهم، ويهددون بالانسحاب، ليس من أجل المناهج أو المدارس، بل لتأمين “المحاصصات القبلية” والمقاعد المخصصة لكل إقليم في الحكومة القادمة. المشهد يفضح المفارقة؛ القواعد الشعبية يوحدها الألم والتعايش الفطري، بينما تستثمر النخب في تمزيق الهوية للحصول على السلطة.

السؤال: كيف نصنع أمة موحدة من شتات القبائل بعد كل دماء الإبادة والحروب الأهلية؟ هل الهوية إرث دموي حتمي نتقاتل عليه، أم عقد اجتماعي نبنيه معاً؟ وكيف نفكك ألغام “الهندسة الاجتماعية” لنؤسس لدولة “المواطنة الكاملة” التي تتسع للجميع دون تهميش أو استعلاء؟

أولاً: فخ الهوية الأحادية وصناعة التهميش

منذ الاستقلال، ارتكبت “دولة 56” خطيئة تأسيسية كبرى عندما حاولت فرض هوية ثقافية وعرقية ودينية أحادية على مجتمع شديد التنوع والتعدد. اعتقدت نخب المركز أن بناء الدولة الحديثة يتطلب صهر جميع السودانيين في قالب ثقافي واحد، وهو القالب الذي يمثل ثقافة المركز النيلي. تم استخدام أجهزة الدولة، والإعلام الرسمي، ومناهج التعليم لفرض هذا اللون الواحد، وتم تهميش وإقصاء الثقافات واللغات المحلية الأخرى باعتبارها مهدداً للوحدة الوطنية.

هذا الإقصاء الممنهج لم يصنع وحدة، بل أنتج اغتراباً نفسياً عميقاً. أصبحت المواطنة تُقاس بمدى القرب من المركز ثقافياً وجغرافياً، وليس بالانتماء القانوني لتراب الوطن. عندما يشعر المواطن في الأطراف أن لغته تُحتقر، وثقافته تُطمس، وتاريخه يُغيب من المناهج المدرسية، فإنه يبحث تلقائياً عن درع يحميه. هذا الدرع كان هو “القبيلة” ثم “البندقية”.

الحروب الأهلية في السودان لم تبدأ كحروب انفصالية، بل بدأت كصرخة احتجاج ضد الإلغاء الثقافي والتهميش الاقتصادي. محاولة فرض هوية أحادية بالقوة هي التي مزقت النسيج الاجتماعي، وجعلت السودانيين يبحثون عن هوياتهم الصغرى للاحتماء بها من بطش الدولة.

ثانياً: القبيلة كسلاح سياسي والهندسة الاجتماعية

الصراعات القبلية الدامية التي نشهدها اليوم ليست صراعات فطرية أو حتمية تاريخية. القبيلة في جوهرها هي مكون اجتماعي تكافلي، ونظام أمان محلي، وليست مؤسسة عسكرية. لكن المركز استخدم القبيلة كأداة سياسية رخيصة. عندما عجزت “دولة 56” عن حسم التمرد في الأطراف عسكرياً، لجأت إلى أخطر أسلحتها: “الهندسة الاجتماعية”. تم تسليح قبائل ضد قبائل أخرى بناءً على ولاءات سياسية متغيرة.

هذه السياسة (فرّق تَسُد) حولت التنوع العرقي إلى قنابل موقوتة. قامت الحكومات المتعاقبة بمنح امتيازات عسكرية ومادية لزعماء العشائر الموالين، وسمحت لهم بممارسة “النهب المسلح” ضد القبائل المغضوب عليها. تم تحويل القبيلة من خيمة للإيواء إلى “حزب سياسي مسلح” وشركة أمنية ترتزق من دماء أبنائها. النخب السياسية لا تقتل بيديها، بل تصنع الكراهية، وتوزع السلاح، ثم تجلس في العاصمة لتشاهد الأطراف وهي تحرق بعضها البعض. تفكيك هذا الفخ يتطلب إدراكاً مجتمعياً بأن العدو الحقيقي ليس القبيلة المجاورة، بل المنظومة الكليبتوقراطية التي تستثمر في إشعال الحرائق.

ثالثاً: الصدمة الجمعية واستحالة التجاوز المجاني

الحديث عن الهوية الوطنية الجامعة يصطدم بجدار نفسي هائل يُعرف في علم النفس بـ “الصدمة الجمعية” (Collective Trauma). لقد تعرضت مجتمعات كاملة في السودان لحملات إبادة، وتهجير قسري، واغتصاب ممنهج. هذه الجراح العميقة لا تُمحى بمجرد توقيع اتفاقية سلام في فندق فاخر، أو عبر خطابات التسامح السطحية التي تطالب الضحايا بـ “عفا الله عما سلف”.

الذاكرة الجمعية للمجتمعات لا تنسى الدماء بقرارات سياسية. الشعور بالغبن والقهر ينتقل عبر الأجيال إذا لم تتم معالجته. بناء هوية وطنية صحيحة يتطلب مواجهة شجاعة للحقائق المرة. يجب على الدولة أن تعترف رسمياً بالجرائم التي ارتُكبت باسمها. الإنكار يزيد من عمق الصدمة ويغذي الرغبة في الانتقام. الهوية الوطنية لا تُبنى على الأكاذيب أو النسيان القسري، بل تُبنى على الحقيقة والاعتذار والاعتراف بحجم الكارثة. بدون هذه الجراحة النفسية، سيظل كل فصيل يتحين الفرصة للانقضاض على الآخر بمجرد ضعف السلطة المركزية.

رابعاً: المواطنة كبديل للهوية العرقية

الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب تحولاً جذرياً في مفهوم الانتماء. الهوية الوطنية الحديثة لا يجب أن تُبنى على “الدم” أو “العرق” أو “القبيلة”. هذه انتماءات بيولوجية نولد بها صدفة ولا نملك اختيارها. الهوية الجامعة يجب أن تُبنى على مفهوم “المواطنة الكاملة”. المواطنة هي عقد اجتماعي وقانوني يضمن المساواة التامة في الحقوق والواجبات أمام القانون، بغض النظر عن لون البشرة أو اللهجة.

مشروع “تحالف التأسيس” يجب أن يرى في التنوع العرقي والثقافي مصدر قوة اقتصادية وإبداعية، وليس تهديداً أمنياً يجب قمعه. الدولة المدنية الحديثة تقف على مسافة واحدة من جميع أديان وثقافات مواطنيها. عندما توفر الدولة العدالة، والتعليم، والصحة لجميع مواطنيها بعدالة، يتوقف المواطن عن الاحتماء بقبيلته. القبيلة تتضخم فقط عندما تغيب الدولة وتنهار مؤسسات العدالة. مشروع المواطنة هو العلاج الوحيد لتفكيك دولة المليشيات والعودة إلى مسار بناء الأمة.

خامساً: الدرس المقارن: رواندا ومعجزة “أنا رواندي”

إذا كان هناك من يعتقد أن تذويب الهويات القاتلة أمر مستحيل، فعليه أن ينظر إلى تجربة رواندا. في عام 1994، شهدت رواندا واحدة من أبشع عمليات الإبادة الجماعية في التاريخ الحديث بين قبيلتي “الهوتو” و”التوتسي”. قُتل أكثر من 800 ألف شخص في مائة يوم فقط بسبب الهوية العرقية. بعد توقف المذابح، أدركت القيادة الرواندية الجديدة أن بقاء هذه المسميات القبلية يعني حتمية انفجار دورة عنف جديدة.

اتخذت رواندا قرارات مؤسسية صارمة وقاسية. تم تجريم استخدام المسميات القبلية (هوتو وتوتسي) في الخطاب السياسي والإعلامي، وتم إلغاء خانة “القبيلة” من كافة الوثائق الرسمية وبطاقات الهوية. أطلقت الدولة مشروعاً وطنياً ضخماً باسم (Ndi Umunyarwanda) ويعني “أنا رواندي”. ركز هذا المشروع على خلق هوية وطنية عليا تتجاوز الانتماءات الضيقة. ترافقت هذه الهندسة الاجتماعية الإيجابية مع محاكمات شعبية (محاكم الغاكاتشا) لتحقيق العدالة الانتقالية. اليوم، رواندا هي واحدة من أكثر الدول استقراراً ونمواً في أفريقيا. الدرس واضح: الهوية الوطنية لا تُولد من الفراغ، بل تُصنع بقرار سياسي شجاع، وإرادة مؤسسية لا تلين.

الرصاصة لا تسأل عن القبيلة

في أحد مستشفيات العاصمة التي تحولت إلى خط نار، يقف شاب في العشرينيات من عمره، ينتمي لما يُعرف بـ “غرف الطوارئ” الشبابية التطوعية. وقميصه ملطخ بدماء الجرحى الذين ينقلهم يومياً. بدارجة سودانية حاسمة وصادقة يقول: “الدانة (القذيفة) لما تنزل في الحلة، ما بتسأل زول من قبيلته شنو، ولا جاية من وين.. كلنا دمنا لونو واحد في سرير المستشفى”.

هذا الشاب يجسد الوعي الجديد الذي ولد من رحم المأساة. الشباب الذين يتشاركون المخاطر لإنقاذ جيرانهم، يدركون تفاهة الصراعات القبلية أمام الموت المجاني. المعاناة المشتركة خلقت تضامناً إنسانياً يتجاوز خطابات النخب المقسمة. هذا الصوت يثبت أن الشعب السوداني قادر على التعايش السلمي إذا رُفعت عنه يد الاستقطاب السياسي. هؤلاء الشباب هم النواة الحقيقية للهوية الوطنية الجامعة التي يجب أن نراهن عليها.

المقترح التأسيسي: مفوضية بناء السلام والعدالة

لتحويل مشروع “المواطنة” من شعار إلى واقع دستوري، يجب اتخاذ إجراءات تشريعية ومؤسسية حاسمة.

الإجراء: التجريم الدستوري القاطع لإنشاء أي أحزاب، أو كيانات سياسية، أو فصائل مسلحة، أو نقابات على أساس قبلي أو جهوي أو إثني. الإلغاء الفوري لخانة “القبيلة” من جميع الوثائق الرسمية، وشهادات الميلاد، وجوازات السفر.

المؤسسة: تأسيس “المفوضية القومية للعدالة الانتقالية وبناء السلام”. تُمنح هذه المفوضية صلاحيات واسعة لإدارة حوارات المكاشفة والمصارحة (لجان الحقيقة والمصالحة)، ومراجعة وإعادة صياغة المناهج التعليمية لتشمل تاريخ وثقافات كافة أقاليم السودان دون تمييز.

معيار النجاح: اختفاء الخطاب القبلي تماماً من التشكيلات الحكومية والعمل السياسي بنسبة 100%، واستبداله بمعايير الكفاءة والبرامج الانتخابية. بالإضافة إلى عقد جلسات استماع علنية لرد الاعتبار المعنوي لضحايا الحروب كخطوة أولى للتعافي.

القاعدة الملزمة

الهوية الوطنية ليست القبيلة التي نولد فيها صدفة، بل دولة المواطنة التي نبنيها معاً بإرادتنا.

الجسر

إذا كانت المواطنة هي الحل الجذري لبناء الهوية، فكيف يمكن تحقيق هذه المواطنة دون محاسبة من أجرم بحقها وبحق الدماء؟ هل نبحث عن القصاص الشامل الذي قد يُدمر ما تبقى من الدولة، أم عن التعافي السريع الذي قد يُفلت الجناة من العقاب ويمهّد لحرب قادمة؟ في المقال القادم: العدالة الانتقالية بين سيف القصاص ومشرط التعافي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!