
إيمان التجاني
خرجت الخبيرة المصرية أماني الطويل لتحدث السودانيين عن مؤامرة تستهدف «تسميم العلاقات» بين السودان ومصر، وكأن هذه العلاقات كانت طوال تاريخها الحديث حديقة مزهرة، قبل أن يظهر بعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي ليزرعوا فيها الأشواك. وبدا حديثها أقرب إلى محاولة تجميل جدار متصدع بطلاء لغوي جديد، بدلاً من الاعتراف بأن التصدعات صنعتها عقود من السياسات غير المتكافئة، والنظرة المصرية التي لم ترَ في السودان دولة مستقلة وشريكاً نداً، بل مجالاً حيوياً تابعاً وحديقة خلفية مفتوحة للنفوذ والمصالح.
من السهل اتهام مواقع التواصل الاجتماعي، فهي لا تجلس إلى طاولة الحوار ولا ترد على الخبراء. لكن من الصعب الإجابة عن الأسئلة التي يطرحها السودانيون حول مواردهم وثرواتهم وحدودهم وقرارهم الوطني. فالغضب الشعبي لم يولد من منشور عابر، ولم تصنعه منصة إلكترونية، بل تراكم بفعل تاريخ طويل من التعامل المصري مع السودان بعقلية المركز والتابع، والمستفيد والمورد، والوصي ومن يُفترض أن يقبل الوصاية صامتاً.
تتحدث الطويل عن تعطيل التكامل الاقتصادي، بينما يتساءل السودانيون: أي تكامل تقصد؟ هل هو التكامل الذي تتدفق عبره المنتجات والموارد السودانية إلى الشمال، فيما لا يحصل المواطن السوداني على نصيب عادل من قيمتها؟ أم التكامل الذي تُفتح فيه الأراضي والأسواق والثروات أمام المصالح المصرية، ثم يُطلب من السودانيين اعتبار ذلك تجسيداً للأخوة ووحدة وادي النيل؟
لقد تحولت عبارة «العلاقات الأزلية» إلى مظلة لغوية يجري استخدامها كلما ظهرت أسئلة السيادة والحقوق والمصالح. فحين يطالب السودانيون بعلاقة متوازنة، يظهر من يذكرهم بالتاريخ والجغرافيا. وحين يتحدثون عن حماية مواردهم، يُتهمون بإثارة العداء. وحين يرفضون الهيمنة، يوصف رفضهم بأنه حملة منظمة لتسميم العلاقات. وكأن المطلوب من السودان أن يقدم موارده ويصمت، وأن يفتح أبوابه ويبتسم، حتى تظل العلاقة في نظر الخبراء المصريين ممتازة وخالية من التوتر.
الحقيقة أن العلاقات السودانية المصرية لم تُبنَ في يوم من الأيام على الندية الكاملة. تعاملت مؤسسات مصرية متعاقبة مع السودان بوصفه امتداداً أمنياً واقتصادياً، لا دولة لها رؤيتها ومصالحها المستقلة. وظلت القاهرة تنظر إلى القرار السوداني من زاوية تأثيره في الأمن القومي المصري، بينما لم تُظهر الاهتمام نفسه بالأمن القومي السوداني أو بحق السودانيين في حماية مواردهم وحدودهم وقرارهم السيادي.
ولا يحتاج السودان إلى خبير يشرح له فوائد التكامل، بل يحتاج إلى شريك يعترف بأن التكامل لا يعني الاستحواذ، وأن الأخوة لا تعني التبعية، وأن الجغرافيا المشتركة لا تمنح دولة حق الهيمنة على أخرى. فالشراكات الحقيقية تُقاس بتوازن المصالح، لا بعدد الخطب التي تتحدث عن المصير الواحد.
إن المشكلة ليست في مشاعر السودانيين تجاه الشعب المصري، فالشعوب قادرة دائماً على بناء جسور التواصل والاحترام. المشكلة في سياسات رسمية ونخب فكرية اعتادت تقديم المصالح المصرية باعتبارها حقاً طبيعياً، ثم استغربت عندما بدأ السودانيون يرفضون هذا المنطق.
مصر لا تحتاج إلى حملة إلكترونية لتخريب صورتها في السودان؛ بعض سياساتها قامت بالمهمة كاملة. وما تسميه الطويل «تسميماً للعلاقات» ليس سوى لحظة وعي سودانية متصاعدة ترفض استمرار نزف الموارد، وتطالب بعلاقة لا يكون فيها السودان مخزناً للثروات، ولا ممراً للمصالح، ولا حديقة خلفية تتحرك فيها القاهرة بلا مساءلة.
لن تستقيم العلاقات بين البلدين بالشعارات القديمة، بل بالاعتراف الصريح بأن زمن الوصاية انتهى. وعلى مصر أن تختار بين شراكة حقيقية مع سودان مستقل، أو التمسك بعقلية الهيمنة التي صنعت الغضب وأفقدت عبارات الأخوة معناها.




