رأي

خطاب في مشروع التأسيس

د.أحمد التجاني سيد أحمد 

 

د.أحمد التجاني سيد أحمد 

ahmedsidahmed.contacts@gmail.com

مشروع التأسيس ليس وعدًا سياسيًا عابرًا، بل لحظة تاريخية فارقة لإعادة تعريف الدولة السودانية على أسس جديدة: من سلطةٍ تعلو فوق المجتمع وتفرض عليه إرادتها، إلى شراكةٍ حقيقية معه في الحكم والبناء وصناعة المستقبل. إنه انتقال نوعي من دولة تُدار من الأعلى، إلى دولة تتشكل من إرادة شعبها، وتستمد شرعيتها من قدرتها على خدمة مواطنيها وتحقيق تطلعاتهم.

«استعادة الثورة لا تكون بتكرارها، بل بتصحيح مسارها… وكفانا أجيالًا كتبت فأعتمت!»

سعادة رئيس الوزراء، وسعادة عضو المجلس، وسعادة حسب النبي، الذي يمضي بثبات على قدميه، حاملاً معجزة التأسيس وقدرتها الاستثنائية على الحكم، إن هذه اللحظة تضع على عاتقكم مسؤولية تاريخية لا تحتمل التردد ولا أنصاف الحلول. فالشعوب لا تنتظر الوعود، بل تقيس صدق المشاريع بقدرتها على التحول إلى واقعٍ ملموس يلامس حياتها اليومية.

إننا نرجو أن تتحول هذه الرؤية إلى إنجازات حقيقية تعيد للدولة توازنها المختل، وتؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها المواطن في قلب المشروع الوطني، لا على هامشه. في الأمن، في الاستقرار، في الخدمات، وفي الكرامة الإنسانية التي طال انتظارها.

كما نأمل أن يستلهم مشروع التأسيس من التجارب الأفريقية الناجحة، وعلى رأسها تجربة رواندا، التي استطاعت خلال عقدٍ واحد أن تعيد بناء دولتها على أسس الانضباط، والمساءلة، وروح العمل الجماعي. إن الاستفادة من هذه النماذج لا تعني الاستنساخ، بل تعني توطين القيم التي صنعت النجاح، بما يتناسب مع خصوصية المجتمع السوداني وتاريخه العريق.

وفي هذا السياق، تبرز تجربة العمل المجتمعي في رواندا كنموذج ملهم، حيث يخرج المواطنون مرتين في الشهر خلال عطلات نهاية الأسبوع لتقديم العون لغير القادرين — من إصلاح الحقول، إلى ترميم المنازل الآيلة للسقوط وطلائها — في ممارسة عملية تعكس عمق التكافل الاجتماعي، وتؤسس لعلاقة صحية بين الدولة والمجتمع قائمة على المسؤولية المشتركة.

إن التأسيس، في جوهره، ليس مجرد مشروع حكم أو برنامج سياسي، بل هو مشروع مجتمع متكامل، تتكامل فيه مؤسسات الدولة مع طاقات المواطنين، وتُستعاد فيه قيم التضامن، والانتماء، والعمل المشترك. إنه مشروع يعيد صياغة العلاقة بين الحاكم والمحكوم على أساس الثقة، لا الهيمنة، وعلى أساس المشاركة، لا الإقصاء.

التأسيس يجب أن يكون البوصلة الهادية نحو دولة عادلة، قادرة، ومتجذرة في قيم شعبها، دولة تُبنى بسواعد أبنائها، وتُدار بعقولهم، وتُحمى بإرادتهم الجماعية.

وفقكم الله وسدد خطاكم لما فيه خير البلاد والعباد.

 

د. أحمد التيجاني سيد أحمد

قيادي و مؤسس في تحالف تاسيس

التاريخ: ٢٧ مارس ٢٠٢٦ – روما، إيطاليا

ahmedsidahmed.contacts@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!