الجلّابة وادواتهم، وفقر الخيال السياسي- نقد الحرس القديم في ضوء تحالف “تأسيس” وثورات الهامش
خالد كودي


مقدمة: حين يجنّ جنون الجلابة وأتباعهم عند إعلان تحالف المهمّشين:
في لحظة تحوّل تاريخي نادرة كالتي يشهدها السودان اليوم، لا يبدو مستغربًا أن يصاب الحرس القديم وادواتهم من المهمشين بحالة من الذعر الوجودي، مع إعلان الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال تحالفًا استراتيجيًا مع قوات الدعم السريع، وبدئها مسار مصالحات مجتمعية في النوبة والفونج ودارفور، داخل نطاق سيطرتها. فـ”الجلابة” – بوصفهم فئة اجتماعية–سياسية تمثل النخب المركزية التي راكمت امتيازاتها على مدى عقود – لا يُرعبهم هذا التحالف لكونه يجمع بين فاعل عسكري اتُهم بارتكاب جرائم جسيمة وآخر ثوري كان يُؤمَل منه أن يبقى رصيدًا احتياطيًا لمناوراتهم الانتقالية، بل لأن هذا التحالف يُقوِّض سرديتهم المركزية ذاتها. ما ينهار أمامهم ليس مجرد توازن عسكري، بل أسس التمثيل ومعنى الشرعية. إنهم يواجهون للمرة الأولى مشروعًا جديًا يعيد رسم خرائط السلطة، ويُخرج تعريف الوطنية من قبضة امتيازهم التاريخي، ويُعرّي عجزهم البنيوي عن تخيّل وطن لا يقف على أكتافهم وحدهم.
أولًا: من هم “الجلابة”؟ وما جوهر مشكلتهم؟
مصطلح “الجلابة” ليس توصيفًا إثنيًا أو عنصريًا، بل يُستخدم هنا كمصطلح سياسي يُحيل إلى طبقة من الساسة والتجار ورجال الدين والإعلاميين والمثقفين الذين احتكروا السلطة والثروة والتمثيل الرمزي في السودان منذ الاستقلال. هؤلاء صاغوا شكل الدولة، واحتكروا تعريف الوطنية، وشيطنوا الآخر القادم من الهامش، فبنوا دولة نخبوية مركزية، تفرض سرديتها على الجميع، وتنكر التعدد والتنوع.
تكمن مشكلة هذه النخب في أنها لم تكن يومًا مع الثورة، بل مع الحفاظ على “الاستقرار”، أي بقاء الامتيازات في يدها. ولهذا جنّ جنونها عندما أعلنت الحركة الشعبية تحالفها مع قوات الدعم السريع، لأنها رأت في “تحالف تأسيس” لحظة تقويض للثوابت التي حافظت على بقاء هذه النخب في موقع السيادة الرمزية والمادية لعقود.
ثانيًا: الدعم السريع و”الاستفاقة المتأخرة”: هل يعيد التاريخ تأهيل نفسه؟
لم تكن المواجهات العنيفة التي وقعت بين قوات الدعم السريع والجيش الشعبي لتحرير السودان- شمال في السابق إلا تجلّيات لصراع أكثر عمقًا بين مشروعين متناقضين: مشروع الدولة المركزية بتركيبتها القمعية القديمة، ومشروع الهامش الباحث عن العدالة والاعتراف. وقد خلف هذا الصراع تاريخًا من الدماء والجراح، خاصة حين اختار الدعم السريع – في مرحلة انحيازه لنظام الخرطوم -أن يكون أداةً طيّعة ضمن آلة القمع والإبادة الجماعية، وهو ما يجعل الحديث عن أي تقاطع راهن بينه وبين قوى الهامش يتطلب مقاربة تاريخية – نقدية دقيقة، لا تسطيحًا أخلاقيًا أو اختزالًا سياسيًا كما يفعل البعض.
إن المنهج العلمي، كما أشار المؤرخ إريك هوبسباوم، لا يقوم على “التطهير الأخلاقي للتاريخ، بل على تفسير منطق التحولات والاصطفافات في لحظاتها”. ومن هذا المنطلق، فإن قراءة تحوّل الدعم السريع من حليف للنظام البائد إلى طرف في مشروع “تأسيس” لا تتم خارج إطار فهم بنيته الاجتماعية وسياق نشأته.
فالدعم السريع لم ينشأ كحركة هامشية تسعى للثورة على المركز، بل كان جزءًا من هندسة أمنية صممها نظام الإنقاذ لاستبقاء سلطته عبر مبدأ “تفتيت المهمشين بالمهمشين”، فتم تسليح بعض المكونات الاجتماعية في دارفور، ومنحها امتيازات ظرفية، مقابل استخدامها كأداة ضد بقية السكان. وهنا يُستعاد قول فرانز فانون: “إن المستعمِر لا يستخدم قوته فقط لقمع الآخر، بل لتقسيم المقموعين، وتحويل بعضهم إلى أدوات للهيمنة.”
لكن الانفجار الكبير الذي بدأ في 15 أبريل 2023 كشف هشاشة هذا الترتيب التاريخي. تحوّل الدعم السريع من أداة في يد الدولة إلى خصم للمركز ذاته. وفي مشهد يُشبه ما وصفه ميشيل فوكو بـ”انقلاب العلاقات السلطوية على ذاتها”، أدركت حواضنه الاجتماعية أن موقعها داخل الدولة لم يكن موقع شراكة، بل موقع وظيفة قابلة للاستغناء. لقد اُستُخدموا كوقود لصراعات لا تمثلهم، ثم تُركوا وحدهم في العراء. وهنا يبدأ- ببطء وارتباك – تشكل وعي جديد، سياسي- اجتماعي، يُشبه ما سمّاه أنطونيو غرامشي بـ”لحظة اليقظة التاريخية.”
سياقات تاريخية مماثلة: حين تستفيق أدوات القمع على حقيقتها:
– جنوب إفريقيا:
في ظل نظام الأبارتايد، تمّ تجنيد مجموعات من “القبائل الإفريقية الموالية”، مثل بعض عناصر البانتوستان، لتكون أذرعًا أمنية تخدم سلطة البيض ضد حركات التحرر. غير أن كثيرًا من هذه العناصر لا سيما من قبائل زولو التي شكّلت قوة في حزب إنكاثا
) Inkatha(
أدركت لاحقًا أنها تُستغل ضد شعبها، فانشق عدد منها، وأعاد التموضع السياسي إلى جانب حركة المؤتمر الوطني الافريقي. بقيادة نيلسون مانديلا، خاصة في أواخر الثمانينيات. وكما قال مانديلا في خطاب شهير له عام 1990: “ليست الخيانة في الولاء الماضي، بل في رفض اللحظة التاريخية حين تناديك الثورة”
– الولايات المتحدة:
خلال الحرب العالمية الثانية، جُنّد عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين السود للقتال في صفوف الجيش ضد الفاشية في أوروبا، بينما كانت العنصرية تفصلهم عن البيض في وطنهم. عادوا إلى الجنوب الأمريكي ليُعاملوا كمواطنين من الدرجة الثانية. هذه المفارقة التاريخية فجّرت وعيًا سياسيًا جديدًا، أصبح أحد روافد حركة الحقوق المدنية في خمسينيات وستينيات القرن العشرين. أشار المؤرخ الأمريكي جون هوب فرانكلين
(John Hope Franklin)
إلى هذه اللحظة في كتابه:
“From Slavery to Freedom”
قائلًا: “لقد عاد السود من جبهات أوروبا مسلحين بشيء أخطر من البنادق: إدراك عميق بأن تضحياتهم يجب أن تُترجم إلى مواطنة كاملة.”
نحو تأهيل التاريخ: حين يصبح العدو السابق شريكًا في التغيير:
من منظور فلسفة التاريخ، لا توجد خطيئة أبدية، بل توجد مواقع تُعيد التفاوض مع الزمن ومع الذات. الكثير من الفلاسفة تحدثوا عن “التحوّل الوجودي” الذي يجعل الإنسان يرى نفسه في مرآة الزمن ويعيد موضعته. وعليه، فإن انحياز بعض السريع اليوم لمشروع “تأسيس” لا يعني نسيان جرائم الماضي، بل بعني الدخول في صيرورة تصحيح طويلة، قوامها الاعتراف، المحاسبة، والتحوّل الاجتماعي لبناء وطن علماني ديمقراطي لامركزي.
فالثورات الكبرى لا تُنجزها الملائكة، بل المراجعين، التائبين، والمصممين على ألا يُعاد التاريخ بلا مساءلة. وهنا تكمن الفرصة أمام المهمشين لا لإعادة إنتاج أدوات القمع، بل لتفكيكها من الداخل، وتحويلها إلى طاقة تحرير، كما فعل الثوار في نيكاراغوا حين ضموا بعض مقاتلي “الحرس الوطني” التائبين بعد الثورة الساندينية، وغيرهم.
ثالثًا: الهامش السوداني كموقع الثورة لا كمجال للشفقة:
أحد أكبر أخطاء الخطاب المركزي النخبوي هو تعامله مع مناطق الهامش كـ”مشكلات تحتاج إلى حل”، وليس كأراضٍ وفضاءات تنتج المعنى والثقافة والسياسة والشرعية. الواقع أن موارد السودان الحيوية – الذهب، الزراعة، المياه، الأراضي – كلها موجودة في مناطق الهامش، ولكنها لم تُقابل بتنمية حقيقية، بل أُلقي بأهلها في أتون حروب الهوية التي صاغتها النخب المركزية لخدمة أغراضها.
الهامش لم يُهمّش لأنه بلا موارد، بل لأنه غني بها، ولأن المركز لم يرد أن يتنازل عن سيطرته الاستعمارية الداخلية. وهو تهميش بنيوي، كما وصفه فرانز فانون، الذي رأى أن الطبقات المهيمنة تُقصي المهمّشين ليس فقط ماديًا، بل رمزيًا، وتُصوّرهم كتهديد للهوية الوطنية الزائفة.
رابعًا: من الثورة إلى تأسيس السودان الجديد:
إن مشروع “السودان الجديد”، الذي بدأته الحركة الشعبية بقيادة جون قرنق، لم يكن مجرد شعارات عن “التنمية والمواطنة”، بل كان محاولة فلسفية – سياسية لتفكيك المركزية التاريخية وبناء دولة على أسس جديدة:
– العلمانية كضمان للتعدد الديني
– العدالة الاجتماعية كوسيلة لإعادة توزيع الثروة
– اللامركزية كآلية لإشراك الجميع في القرار
– الحق في تقرير المصير كمبدأ مضاد للإقصاء القومي والعنصري
وتجلّى هذا المشروع اليوم، في نسخة أكثر ثورية، من خلال تحالف تأسيس. وهو تحالف لا يُقدّم الدعم السريع كـ”منقذ”، بل كقوة عسكرية/اجتماعية تمر بمرحلة مراجعة تاريخية. وإذا انحازت فعلًا إلى مشروع السودان الجديد والتزمت بما جاء في ميقاف ودستور تأسيس، فهي بذلك تحرّر نفسها من كونها أداة وظيفية للنخب القديمة، وتعيد بناء شرعيتها من خلال حواضنها.
خامسًا: الثورة، لا النقاء: عن فلسفة التحوّل:
الفيلسوف الألماني هيغل رأى أن “الثورة ليست لحظة نقاء أخلاقي، بل لحظة ضرورة تاريخية”. ومن هنا يجب ألا نقيّم التحالفات الثورية بميزان المثالية الطوباوية، بل بميزان التحوّل السياسي والاجتماعي المتفاعل مع تعقيد الواقع.
إن الذين ينتقدون تحالف تأسيس باعتباره “تحالفًا مع الجنجويد” يفشلون في إدراك أن الثورة الحقيقية تفرض مراجعة مواقع القوى. فليس من الصدفة أن حركة الحقوق المدنية في أمريكا بدأت من داخل جدران السجون، حيث أُجبر السود على التأمل في قمعهم، كما عبّر عنه مالكوم إكس وجيمس بالدوين، فكانت ثورتهم ليست ضد البيض فقط، بل ضد “مركزية الرجل الأبيض في الذات السوداء.”
وهكذا، فإن تحالف تأسيس ليس “تنازلًا عن القيم”، بل تحقيق لها على أرضية جديدة.
سادسًا: ماذا يخسر “الجلابة”؟ ولماذا يتردّد بعض الثوار؟
تحالف “تأسيس” لا يُربك الحرس القديم فقط لأنه يهدد امتيازاتهم المتوارثة، بل لأنه يعيد تعريف السياسة السودانية من جذورها. لم تعد السياسة تكتب في “الأندية الخرطومية”، بل باتت تُصاغ في جبل مرة، والكرمك، وكاودا، حيث تُمارَس المقاومة لا كموقف، بل كأسلوب حياة. لم يعد الوطن خطابة لغوية لفصحاء المركز، بل مشروعًا اجتماعيًا جماعيًا يصوغه المضطهدون من واقع التجربة والدم.
ما يزعج “الجلابة” هو أن الثورة خرجت من قبضتهم الرمزية، وأن المهمشين، الذين ظلوا لعقود مادة للاستغلال والتجاهل، باتوا اليوم فاعلين في كتابة الدستور وفي إعادة بناء الدولة. إن ما يتداعى ليس توازنًا سياسيًا فقط، بل سردية هيمنة كاملة
لكن في مواجهة هذا التحول، تظهر أصوات ثورية من الهامش تعارض تحالف “تأسيس” بسبب وجود الدعم السريع، معتبرة أن هذا التحالف يُفرّط في دماء الماضي. هذا الموقف مفهوم من حيث الجرح، لكنه يحتاج إلى مراجعة نقدية من حيث البنية
إذ يجب التذكير بأن الدعم السريع، حين كان في ذروة عدائه لقوى الهامش، لم يكن سوى أداة من أدوات الجيش السوداني. الجيش ذاته الذي خاض حربًا ممنهجة ضد النوبة، الفونج، الفور، والزغاوة، على مدى عقود. الجيش لم يكن “البديل الوطني” النقي، بل هو التعبير الأكثر صلابة عن بنية الدولة المركزية التي صمّمت لتبقي الهامش مقسمًا، متنافرًا، ومتصارعًا.
كما قال بيير بورديو: “تقوم السلطة بالحفاظ على ذاتها لا فقط بالقمع، بل بتقسيم المقموعين.”وهذا ما فعله الجيش حين صنع ميليشياته من بعض المهمشين، وسلّحهم ضد غيرهم، ثم تخلّى عنهم حين انتهت وظيفتهم، ليعيد إنتاج لعبة “المركز–الهامش” في دورة لا تنتهي.
في هذا السياق، يصبح الاصطفاف مع الجيش أو تبنّي خطابه – حتى بحسن نية – نوعًا من العودة غير الواعية إلى حضن الدولة التي مارست الإبادة، لا التحرير. إن دعم الجيش بدعوى “الاستقرار” أو “النقاء الوطني” يفتح الباب لثورة مضادة مقنّعة، تعيد إنتاج البنية القديمة تحت شعارات جديدة.
أما تحالف “تأسيس”، فهو لا يُبرّئ الدعم السريع او غيره، لكنه يطالب بتحوّل جذري في الموقع والدور، عبر مساءلة تاريخية، وشراكة قائمة على مشروع علماني، لا مركزي، تعددي، يعيد الاعتبار لكل الضحايا، ويمنح للمهمشين مكانًا في هندسة الدولة لا في هوامشها.
قال مالكوم إكس: “لا توجد ثورة بدون وعي سياسي. والوعي لا يبدأ من الحقد، بل من الاعتراف بالمصالح المشتركة.”
في الختام: ما العمل؟ وما هو المعيار؟
إن التحالف بين قوى الهامش ومكوّنات التمرّد السابقة، كما نصّ عليه ميثاق تأسيس الموقع في نيروبي في 22 فبراير 2025، لا يُمثّل انحرافًا عن خط الثورة، بل يشكّل انتقالًا نوعيًا من مرحلة الاحتجاج إلى مرحلة التأسيس، وفق رؤية واضحة لبناء دولة جديدة على أسس علمانية، ديمقراطية، لا مركزية، وعدالة تاريخية شاملة. معيار تقييم هذا التحالف ليس الاستدعاء الانتقائي للماضي، بل مدى التزامه بمشروع جذري لمعالجة بنية الأزمة السودانية، لا مظاهرها العرضية.
رفض الدعم السريع بسبب سجله الدموي هو شعور مشروع، متجذر في الذاكرة الجمعية للهامش، لكن استخدام هذا الرفض كذريعة لتشويه تحالف “تأسيس” والنيل منه، أو لتبرير الانحياز إلى جيش الدولة المركزية – الذي قاد حملات الإبادة، وصنع الدعم السريع ذاته – هو موقف يُقوّض منطق الثورة ذاته. والأسوأ حين يُستثمر هذا الخطاب لتلميع حكومة بورتسودان، بصفتها امتدادًا مباشرًا لتحالف الإسلاميين والقوى الأمنية القديمة. في هذه الحالة، لا يُراد انصاف الضحايا، بل استعادة الهيمنة القديمة باسم الضحية نفسها.
أما الأصوات التي تروّج للجيش السوداني باعتباره “الضامن الوطني” تحت لافتة “النقاء الثوري”، فإنها تقع – عن وعي أو دون وعي – في فخ إعادة إنتاج منطق النظام القديم بأدوات جديدة. فهي تنطق بخطاب الثورة، لكنها تفعل ذلك بلسان السلطة التي قامت الثورة ضدها. وفي ذلك مفارقة خطيرة: أن يُستدعى الجيش، الذي شكّل أحد أعمدة الدولة القمعية، ليكون الحارس على مشروع التغيير!
حذّر فرانز فانون، فإن “ما هو أشد خطرًا من المستعمِر، هو من يتبنى أدواته ويتحدث باسم الثورة.”
وهذا تحديدًا ما تمارسه بعض النخب المركزية اليوم، حين تُعيد تسويق ذات المؤسسات التي مارست الإقصاء والعنف، ولكنها تطلب تغيير الواجهة فقط، لا تفكيك الجوهر البنيوي للهيمنة. فتتبدل الشعارات، ويبقى الهيكل حسب رؤيتهم كما هو: دولة مركزية، سلطوية، تعيد إنتاج الامتيازات القديمة باسم الأمن أو الوطنية، او الوحدة أو الثورة ذاتها!
أما أبناء الهامش، فليس المطلوب منهم النسيان أو الغفران المجاني، بل تحويل الألم إلى وعي، والماضي إلى شرط لبناء المستقبل. والاشتراط السياسي للمصارحة والمحاسبة والعدالة التاريخية – كما جاء صريحًا في ميثاق تأسيس – هو ما يمنح هذا التحالف مشروعيته الأخلاقية والسياسية. وهذا ليس تواطؤًا، بل فعل ثوري في ذاته: نقل الفاعلين من موقع الاستخدام والتوريط إلى موقع الفهم والمساءلة، ومن أدوات بيد السلطة إلى شركاء في تفكيكها.
إن العدالة التاريخية التي ننشدها، وعبرت عنها الحركة الشعبية في ادبياتها ومواقفها لا تُبنى على الثأر، بل على تفكيك البنية التي أنشأت الجيش، ثم أعادت إنتاجه في صورة الدعم السريع، وعلى بناء مستقبل سياسي من داخل منطق المواطنة الفاعلة، لا من داخل منطق الدولة المركزية التي شرعنت القمع، وراكمت الجلادين.
إن الرفض الذي تبديه الطبقة السياسية المركزية – “الجلابة” كمفهوم رمزي – طبقي – لا ينبع من حرص على الضحايا، بل من إدراكهم أن تحالف “تأسيس” يعني نهاية امتيازهم التاريخي، وانهيار تصورهم لاحتكار تعريف الدولة، والسيادة، والوطن. وكما كتب إدوارد سعيد:
“الهيمنة لا تنتهي بانتهاء أدواتها، بل بانتهاء خيالها.”
ولهذا، فإن الثورة السودانية، في نسختها التأسيسية الراهنة، لا تطلب الإذن من أولئك الذين طالما احتكروا مفاتيح الوطن، بل تُبنى – ولأول مرة منذ الاستقلال – على أكتاف من نُفوا من التاريخ الرسمي، ليعلنوا بوضوح: نحن الوطن، ولسنا مشكلته.
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)




