ثقب الفكر الأسود: قراءة في غريزة “ابتلاع الدولة” وتغييب الكيان السيادي في السودان (1956 – 2026)
مليح يعقوب حماد

مليح يعقوب حماد
باحث في إدارة التنوع والسياسات الريفية
عتبة معرفية
عند الشروع في صياغة هذا التحليل، استدعت الذاكرة المحاضرات الرصينة للدكتور السماني احمد السماني البشر (الأمين السياسي لتحالف قمم) حول ماهية الاختلاف الجوهري بين مؤسسات “الدولة” و”الحكومة”؛ ومن تلك الاطروحة اتخذتُ مرتكزاً معرفياً لكتابة هذا المقال من زاوية (إدارة التنوع والسياسات الريفية)، بالاستناد إلى مراجع ومصادر بحثية متخصصة سنورد ثبتها في خاتمة هذا المقال.
مقدمة: في الاشتباك المفاهيمي
منذ بزوغ فجر الاستقلال في عام 1956، والخيال السياسي السوداني يغرق في نفق من الأزمات الهيكلية التي سُوِّقت طويلاً بوصفها “عثرات إجرائية” في فن الإدارة. بيد أن الواقع المأزوم والتجربة التاريخية يثبتان أننا أمام نتاج لـ “ثقب أسود” في العقل السياسي؛ يتمثل في العجز البنيوي عن التمييز المنهجي بين “الدولة” ككيان وجودي راسخ، وبين “الحكومة” كأداة إجرائية متغيرة. إن ما شهده السودان من “متلازمة فشل” لتعاقب الأنظمة، هو في الأصل عبارة عن عملية “ابتلاع قسري” واختطاف بنيوي مارسته السلطة تجاه الدولة، محولةً إياها من “مظلة سيادية جامعة” إلى “خندق حصين” لحماية امتيازات النخبة الحاكمة.
أولاً: الدولة المختطفة.. متلازمة الشمولية وتأميم الملكية
يكمن التشخيص الجوهري للأزمة السودانية في “متلازمة الشمولية” التي طبعت الحكم المركزي بطابع إقصائي حاد. ففي العرف السياسي المستقر، تُمثّل الحكومة دور “المدير المؤقت” لمؤسسات الدولة، تُفوضه الجماهير لإدارة الموارد ضمن إطار زمني ودستوري محدد. أما في الواقع السوداني، فقد انحرفت الحكومات المتعاقبة ــ عسكرية كانت أم مدنية نخبوية ــ لتقمّص دور “المالك” الحصري للدولة وسيادتها.
لقد جرى توظيف “مؤسسات القوة” و”أجهزة الخدمة المدنية” كأدوات “تعبوية وعقائدية”، غايتها القصوى حماية “بقاء النظام” وتأبيده، لا صيانة “الدستور العام”. هذا الاختطاف أفضى إلى نتيجة كارثية؛ فبدلاً من أن تضطلع الدولة بدور الكيان المحايد الضامن للعدالة، استقرت كـ “خصم” لمواطنيها، لا سيما في الأقاليم (الهامش) وبين القوى المنتجة، حيث سُخِّرت موارد السيادة لفرض رؤى أحادية ضيقة أجهضت التنوع السوداني العريض.
ثانياً: فك الاشتباك.. جدلية الكيان الوجودي والآلية الإجرائية
للخروج من هذا المأزق المعرفي، يتحتم فك الاشتباك بين المفهومين؛ فالمعضلة الكبرى تنحصر في ممارسة السلطة، و فشلها التام في رسم الحدود الفاصلة بين “الدولة” بوصفها كياناً وجودياً مستمراً، وبين “الحكومة” بوصفها عرضاً زائلاً. فبينما تمثل الدولة “الروح المعنوية” الثابتة للأمة، تظل الحكومة مجرّد “آلية إدارية” مؤقتة، يُفترض بها أن تتحرك ضمن سياج الدستور لا أن تبتلعه.
وتتجلى هذه المفارقة في مسألة “الحياد المؤسسي”؛ ففي الدولة الوطنية المستقرة، يكون ولاء المؤسسات السيادية (القضاء، الجيش، الاعلام، الخدمة المدنية) للوطن والدستور حصراً. لكن في الحالة السودانية، تم تذويب هذا الحياد قسراً، حيث سعت السلطة الحاكمة دوماً إلى تحويل ولاء “الموظف العام” من الدولة إلى “النظام”. هذا الانزلاق حوّل المؤسسات من “حارسة للحقوق” إلى “أدوات لخدمة البرنامج السياسي”، مما أفقد الدولة استقلالها وحوّل الحكومة من “خادم” للكيان الوطني إلى “مالك” مستبد لمفاصلها.
ثالثاً: مآلات الانصهار السام و”غريزة الانشطار”
إن غياب هذا الفرز المنهجي هو ما جعل “تغيير الحكومة” في السودان يمر حتماً عبر “تفكيك الدولة” أو الانهيار الأمني الشامل؛ فعندما تبتلع السلطة الدولة، تربط مصير المؤسسات الوطنية بمصيرها الشخصي وجودياً. إن المؤسسات السيادية التي ينبغي أن تتسم بالصلابة أصبحت مشبعة بالولاءات الضيقة، مما أفقدها القدرة على العمل كـ “مصدات وطنية” أمام الأزمات العاصفة، وهو ما نراه اليوم من محاولات انتحارية لإحياء الاستعلاء وتخدير القواعد عبر شعارات “الكرامة الزائفة”.
خاتمة: الطريق إلى استرداد الدولة
إن استعادة الدولة السودانية من “الثقب الأسود” تبدأ بإعادة صياغة “عقد اجتماعي” جديد يفصل بصرامة بين المؤسسات القومية وبين الصراع المحموم على السلطة. إن الدولة هي “السفينة” والحكومة هي “القبطان”، وفشل السودان التاريخي يكمن في أن القبطان كان يحاول دائماً إقناع الركاب بأنه هو السفينة ذاتها. إن الحل يكمن في بناء مؤسسات “عصيّة على الابتلاع”، تدين بالولاء للأرض لا للكرسي، وللمنتجين لا للسمسار المركزي، وللوطن لا للنظام.
المصادر والمراجع:
د السماني احمد السماني البشر “سلسلة محاضرات حول التفريق بين موسسات الدولة و الحكومة”، تحالف قمم، (مادة مرئية ومسموعة).
خالد، منصور، “النخبة السودانية وإدمان الفشل”، دار التراقي، القاهرة.
فرانسيس فوكوياما: كتاب “أصول النظام السياسي” ( كيفية نشوء مؤسسات الدولة المستقلة عن الأشخاص).
فيبر، ماكس، “الاقتصاد والمجتمع: مفاهيم أساسية في علم الاجتماع”.




