رأي

التعليم بين أنقاض الحرب ومصير الأجيال

محمود كاربينو 

في قلب الأزمة السودانية الممتدة يقف ملف التعليم كقضية شائكة تمس مصير أمة بأكملها، وتتقاطع فيها المآسي مع الأمل، والحقوق مع التهميش، والتطلعات مع واقع يزداد تعقيداً كل يوم ، لا شيء يشبه حجم الكارثة التي لحقت بالأجيال الشابة، أولئك الذين وجدوا أنفسهم خارج قاعات الامتحان لا لذنب ارتكبوه، بل لأن آلة الحرب أغلقت المدارس، وقطعت الطرق، وحرمت الآلاف من أبسط حقوقهم، حق الجلوس للامتحانات، وحق الحلم بالمستقبل.

تغيب اليوم عن امتحانات الشهادة السودانية عشرات الآلاف من الطلاب، معظمهم من أبناء دارفور وكردفان، أولئك الذين يعيشون في قلب المناطق الملتهبة، حيث صار الوصول إلى المدرسة مخاطرة بالحياة، وحيث لم يجد الطلاب غير الدمار والرصاص بدل الكراسي والسبورة ، لقد حُرم هؤلاء من حق الامتحان لأن الدولة فشلت في توفير الحد الأدنى من الظروف الآمنة، ولأن النظام التعليمي تعامل معهم كأنهم خارج نطاق الوطن ، هذا الغياب ليس فقط مأساة فردية، بل جريمة مكتملة في حق أقاليم كاملة، لا تزال تُقصى وتُدفع ثمن الحرب والتمييز مرة بعد أخرى.

هناك من يظن أن معركة التعليم قضية مؤجلة، أو ترف لا يتسق مع إيقاع الانهيار العام، ولكن الحقيقة أن ما يترتب على انهيار التعليم أخطر من أية هزيمة عسكرية أو سياسية ، إن أجيالًا بأكملها الآن معلقة في الفراغ، لا تحمل شهادة تثبت كفاءتها، ولا تجد فرصة لتكمل مشوارها الأكاديمي، بل والأسوأ، يُحرم بعضها فقط لأن الجغرافيا لا تنتمي لمعسكر من اشعل الحرب، أو لأن الاسم لا ينسجم مع قائمة المقبولين، أو لأن الملامح والهوية لا تتسق مع تركيبة النُخب التي تتحكم في بوابات الجامعات.

طلبة الجامعات ضحايا الحصار السياسي والعنصري، وجدوا أنفسهم مرفوضين من دخول جامعاتهم لأنهم ينتمون إلى مناطق تقاوم النظام أو لا تخضع لسلطة المركز ، أصبح اللون والعرق والجغرافيا معيار القبول والرفض، لا الجدارة ولا الحق الطبيعي في التعليم ، هذه الممارسات لا تنسف فقط فكرة العدالة، بل تهدد وحدة الوطن ذاته، حين يتحول التعليم إلى أداة للفرز والتهميش والإقصاء.

إن هذا الملف يحتاج إلى ما هو أكثر من بيانات التضامن أو الدعوات العابرة ، إنه يتطلب تكوين مؤسسات إسعافية، مؤسسات تمتلك عقل التخطيط وسعة الرؤية، قادرة على اقتراح حلول مؤقتة ومستدامة، تعيد الحق لأهله، وتُبقي شعلة الأمل متقدة في صدور الآلاف من الفتيان والفتيات ، لا بد من منصات بديلة، برامج طوارئ تعليمية، شراكات وطنية مع كيانات أكاديمية، بل وحتى استخدام أدوات التعليم عن بُعد لتجاوز حدود النار والأسلاك الشائكة.

ما نعيشه اليوم هو لحظة فاصلة، إما أن نستجيب بنداء الواجب، ونعتبر التعليم جبهة من جبهات الإنقاذ الوطني، أو نغض الطرف حتى نجد أنفسنا أمام أجيال تائهة، فاقدة للهوية، مشبعة بالإحباط، وسهلة الوقوع في براثن الجهل والتطرف ، هذا البلد لا يُبنى بالقنابل ولا بالتفاهمات السياسية وحدها، بل يُبنى حين نضع مستقبل أبنائه على رأس أولوياتنا، حين نرفع الأقلام فوق البنادق، ونفتح المدارس بدل المعسكرات، ونُجري الامتحانات بدل أن نُجري المقابر الجماعية.

التعليم ليس رفاهية بل صمّام أمان للأمة ، وإذا لم نبدأ من الآن، فقد نخسر ما تبقى لنا من حلم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!