رأي

عبودية ناعمة برعاية رسمية: حين تُباع كرامة نازحي دارفور في سوق الاستغلال

يعقوب التجاني المحامي

 

يعقوب التجاني المحامي 

تتقاطر الكلمات كأنها شهب من نار، لتكسر صمتاً يرقى إلى مرتبة التواطؤ، وتقف سداً منيعاً أمام انحدارٍ أخلاقي وسياسي لم تشهده أروقة السلطة من قبل. إن التصريح الصادر عن وزيرة الصناعة والتجارة بحكومة بورتسودان، والذي أطرت فيه نازحي إقليم دارفور باعتبارهم “قوة عمل مجانية يُستفاد منها في الأعمال الشاقة والزراعة بالولايات الشمالية”، لا يمكن تحت أي ظرف هندسي أو لغوي إدراجه في خانة “زلة اللسان” أو السهو العابر؛ بل هو الستار الذي انزاح ليعدو كاشفاً عن عقلية استعلائية راسخة، تُعيد إنتاج العبودية في قالب مؤسسي، وتتعامل مع ضحايا المأساة الإنسانية كسلع وبضائع رخيصة تُساق لخدمة الإقطاع الجغرافي والسياسي.

إن النازح الدارفوري، بموجب القانون الدولي الإنساني، والمبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن النزوح الداخلي، والقوانين والأعراف الوطنية كافة، ليس عمالة سخرة ولا موالاً رخيصاً لسد العجز الاقتصادي لأي ولاية؛ بل هو مواطن سُلب منه أمنه وأرضه بدمار النزاع المسلح، ويملك الحق الكامل في الحماية الفائقة، والكرامة الإنسانية غير المنقوصة، وإعادة التأهيل، والتعويض العادل، فضلاً عن العودة الآمنة والكريمة إلى موطنه الأصلي. إن اختزال أزمة إنسان هُجّر من أرضه في مجرد “قوة عضلية للأعمال الشاقة” هو انتهاك صارخ للمبدأ الدستوري الأصيل الذي يقضي بـ”المساواة المطلقة بين المواطنين دون تميز على أساس الإقليم، أو العرق، أو الطبقة الاجتماعية”.

والمرارات الأشد عمقاً في هذا الخطاب، أنها تعيد إحياء العقلية المركزية الاستغلالية ذاتها التي كانت السبب الأول والرئيسي في تفجير الحروب الأهلية وتمزيق نسيج الوطن؛ عقلية تحتكر الوظائف السيادية والمقدرات الاقتصادية لفئات بعينها، بينما تصنف أقاليم كاملة وأبناءها كخدَم وأجراء في أسفل السلم الاجتماعي. وعلى الرغم من أن العمل الشريف في الزراعة أو البناء هو مدعاة فخر لكل سوداني وسودانية، إلا أن التوجيه القسري أو الطبقي لإقليم بعينه نحو الخدمة الشاقة يُعد جريمة تمييز وازدراء صريح للكرامة الإنسانية.

وهنا يتبدى السؤال الصارخ الذي يدمي الضمير الوطني: هل بات الجزاء العادل لأهل دارفور الذين فقدوا أرواحهم، ومنازلهم، وتاريخهم في أتون هذه الحرب الطاحنة، أن يُنظر إليهم بوقاحة كعمالة رخيصة بدلاً من إعادة إعمار ديارهم وجبر أضرارهم؟ وهل غدت وظيفة الدولة تدوير مآسي النازحين واستثمار آلامهم، بدلاً من إرساء السلام الشامل وتحقيق العدالة الانتقالية؟

رسالة  إلى قيادات حركات دارفور (جبريل، مناوي، وطرطور):

وجهتكم التي تقفون فيها اليوم تحت مجهر التاريخ والضمير. أنتم الذين رفعتم السلاح لعقود تحت شعارات رفع التهميش، واسترداد الحقوق المسلوبة، والدفاع عن كرامة الإنسان الدارفوري، وتقاتلون اليوم جنباً إلى جنب مع حكومة بورتسودان.. أين صوتكم الآن؟ وأين دفاعكم المزعوم عن كرامة النازحين؟

كيف تتوارون بالصمت وتغضون الطرف عن تصريحات تذبح كرامة أهلككم يومياً؟ كيف تقبلون أن يُختزل ابن دارفور – الذي جُرّد من كل شيء – في مجرد آلة مجانية للأعمال الشاقة تحت مسميات “الاستفادة من الطاقات”؟ إن صمتكم المريب أمام هذا الانتهاك النفعي لا يُفسَّر إلا باعتباره مقايضة تاريخية مخزية؛ تُباع فيها كرامة الضحايا ومأساة المهجرين على موائد المحاصصات السياسية والمكاسب السلطوية الضيقة.

ختاما  التاريخ لا يرحم وإن الشعب السوداني عامة، وأهل دارفور خاصة، يسطرون هذه المواقف في ذاكرة لا تنسى ولا تغفر. وإن التاريخ الذي لا يرحم المتطاولين على كرامة الشعوب، لن يرحم مطلقاً الصامتين والمتواطئين الذين اتخذوا من دماء الضحايا وآلامهم جسراً للمناصب. إن سقطت أجساد النازحين تحت وطأة الحرب، فإن كرامتهم جبلٌ شامخ لن تطاله أوهام الاستعلاء ولا صفقات المساومة. وسيعلم الذين ظلموا وتغافلوا أي منقلب ينقلبون.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!