رأي

رداً على خطاب موسى هلال: السودان وطن المواطنة لا ساحة للتفاخر بالأنساب

فتحية البشاري تكتب: المنكفئون على الأرض

في الوقت الذي يمر فيه السودان بواحدة من أخطر مراحله التاريخية، وفي ظل حرب مستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات، خلّفت وراءها القتل والنزوح واللجوء والانقسام المجتمعي والتشظي السياسي، أصبح واجب كل من يحمل هماً وطنياً أن يعمل على رتق النسيج الاجتماعي، وإطفاء نيران الكراهية، وإعادة بناء الثقة بين مكونات الشعب السوداني.

وفي مثل هذا الظرف العصيب، كنا ننتظر خطاباً يدعو إلى المصالحة والتسامح والتعايش، لا خطاباً يعيد السودانيين إلى معارك الأنساب والأصول والقبائل.

لقد جاء حديث السيد موسى هلال، الذي وصف فيه قطاعات وقبائل سودانية بأنها جاءت من تشاد خلال فترات الجفاف والمجاعات، وأن قبيلته قامت بإغاثتها واحتضانها، حديثاً بالغ الخطورة؛ ليس فقط بسبب ما يحمله من تقسيم للمجتمع إلى أصحاب أرض ووافدين، بل لأنه يعيد إنتاج خطاب طالما دفع السودان ثمناً باهظاً له من دماء أبنائه.

إن السودان اليوم لا يحتاج إلى من يسأل السودانيين: من أين جاء أجدادكم؟ ومتى عبروا الحدود؟ ومن استضاف من؟ ومن أقدم وجوداً من الآخر؟

السودان يحتاج إلى سؤال واحد: كيف نبني وطناً يتساوى فيه جميع أبنائه وبناته في الحقوق والواجبات والكرامة الإنسانية؟

إن التفاخر بالأنساب، وادعاء نقاء الأعراق، والنظر إلى الآخرين باعتبارهم أقل أصالة أو مكانة، ليس مشروعاً لبناء دولة حديثة، بل هو ارتداد إلى عقلية ما قبل الدولة؛ إلى زمن كان الإنسان يُقاس فيه بنسبه وقبيلته، لا بعلمه وعمله ومواطنته وما يقدمه لوطنه.

والأكثر إثارة للقلق هو السياق السياسي الذي قُدّم فيه هذا الخطاب. فإذا كان المتحدث قد قُدّم على منصة عامة بصفات وطنية وقبلية كبيرة، وفي حضور أو بمشاركة شخصيات عسكرية وسياسية رفيعة، فإن من حق السودانيين أن يتساءلوا: هل يمثل هذا الخطاب صاحبه وحده، أم أنه يعكس توجهاً سياسياً أوسع؟

وإذا كانت مؤسسات أو شخصيات رسمية لا تتفق مع هذه اللغة، فإن مسؤوليتها الوطنية تقتضي رفضها بوضوح، لأن الصمت أمام خطاب يمس التعايش المجتمعي في بلد يعيش حرباً أهلية مدمرة ليس مسألة بسيطة.

إن السودان أكبر من القبيلة، وأكبر من العِرق، وأكبر من أي أيديولوجيا أو مشروع سياسي يسعى إلى تقسيم أبنائه.

لقد تعلّم السودانيون، عبر سنوات طويلة من الحروب والانقسامات، ماذا تعني الحرب الأهلية وماذا تفعل خطابات الكراهية بالمجتمعات. وقد خرج جيل كامل في ثورة ديسمبر وهو يحلم بدولة مختلفة؛ دولة لا يسأل فيها القانون المواطن عن قبيلته أو عرقه أو منطقته أو دينه قبل أن يمنحه حقوقه.

لا تزال في السودان قوى اجتماعية ومدنية وشبابية ونسوية، وملايين من المواطنين، يؤمنون بأن الوطن يمكن أن يُبنى على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والعدالة، والحرية، والسلام، والتنوع، والحكم المدني.

ولمن لا يزالون يبحثون عن القبائل، نقول:

نعم، لدينا قبائل أخرى نعتز بالانتماء إليها.

قبيلة العلم والاستنارة.

قبيلة الحرية.

قبيلة التسامح.

قبيلة السلام.

قبيلة العدالة.

قبيلة نكران الذات.

وقبيلة الذين يحلمون بدولة تسع الجميع دون تمييز.

لدينا وطن نحلم بأن يقوم على توزيع عادل للسلطة والثروة، وعلى نظام حكم يضمن للأقاليم والمجتمعات حقوقها، وعلى دولة تحترم التعدد الديني والثقافي والإثني، وتحمي الإنسان بصفته مواطناً قبل أي انتماء آخر.

لقد آن الأوان أن نتجاوز السؤال القديم: من أين جاء أجدادك؟

ولنسأل بدلاً عنه: ماذا ستقدم أنت للسودان الذي سيعيش فيه أبناؤنا وأحفادنا؟

فنحن لم نعد نريد وطناً تحكمه العصبيات، ولا دولة تُبنى على نقاء متوهَّم للعرق، ولا مجتمعاً تحدد فيه الأنساب قيمة الإنسان.

نريد سوداناً يكون فيه الانتماء للوطن فوق الانتماءات الضيقة، وتكون فيه المواطنة أساس الحقوق والواجبات، ويكون التنوع مصدر قوة لا ذريعة للحرب.

لقد دفع شعب السودان ثمناً باهظاً عندما قُدِّمت الأيديولوجيا والقبيلة والمصالح السياسية على الوطن. واليوم، أمام هذا الخراب الهائل، لم يعد لدينا ترف إعادة إنتاج اللغة التي أشعلت الحروب ومزقت المجتمعات.

السودان ليس ملكاً لقبيلة، ولا حكراً على عرق، ولا إرثاً لجماعة سياسية.

السودان وطن لكل أبنائه وبناته.

ومن أراد أن يقود الناس في هذه المرحلة، فليقدهم نحو المصالحة لا الكراهية، ونحو الدولة لا القبيلة، ونحو المستقبل لا الماضي.

فالوطن الذي نحلم به لن يُبنى بشجرة النسب، بل بشجرة المواطنة؛ جذورها العدالة، وساقها القانون، وأغصانها الحرية، وظلالها تتسع لجميع

السودانيين دون استثناء.

10-08-26

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!