رأي

تفكيك بالدعاية لا بالسلاح: لماذا تفشل محاولات البرهان في شق صفوف الدعم السريع؟

لواء ركن دكتور مهدي الأمين كبة

 

لواء ركن دكتور مهدي الأمين كبة

منذ اندلاع الصراع، لجأ عبد الفتاح البرهان إلى مسارٍ موازٍ للعمل العسكري، قوامه الدعاية الإعلامية والحرب النفسية، في محاولةٍ لتفكيك قوى تأسيس وشق صفوف قوات الدعم السريع. وقد تجلّى هذا المسار في حملةٍ منسّقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي وبعض المنصات المدعومة خارجيًا، تستهدف ضرب التماسك الداخلي للقوة، واستغلال الهويات الفرعية والحواضن الاجتماعية والقبلية كسلاحٍ سياسي وأمني.

تعتمد هذه الاستراتيجية على أجهزة الاستخبارات التابعة للجيش، وعلى خطابٍ يسعى إلى تصوير الصراع باعتباره مواجهة بين “الدولة والجيش” من جهة، و“مليشيات خارجة عن القانون” من جهة أخرى. غير أن هذه الفرضية، في جوهرها، قصيرة النظر وفاشلة استراتيجيًا؛ إذ تتجاهل حقائق البنية والتنظيم والسياق الاجتماعي والسياسي الذي نشأت فيه قوات الدعم السريع.

الهدف غير المعلن، لكنه الواضح في الممارسة، هو استهداف القبائل العربية في دارفور وكردفان بوصفها نسبة معتبرة من العمود الفقري للدعم السريع. ويُراد من ذلك إحداث شرخٍ اجتماعي يعيد إنتاج الصراع الأهلي ويحوّله إلى مواجهةٍ طويلة الأمد تُنهك الأقاليم وتزيد من التوترات الإقليمية. لكن ما يغفله هذا النهج هو أن الدعم السريع لم يعد كيانًا أحادي التركيب، ولا حركةً معزولة عن سياق السودان الأوسع.

فمن حيث التكوين والقيادة، تضم قوات الدعم السريع تحالفاتٍ من حركاتٍ مسلحة ومكوناتٍ متعددة من أقاليم التهميش: شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالًا، بما في ذلك مكونات غير عربية. وقد التقت هذه الأطياف على قضيةٍ جامعة: التهميش المزمن في السلطة والثروة، واختلال ميزان التنمية منذ نشأة الدولة السودانية الحديثة. هذا الوعي السياسي المشترك، إلى جانب التدريب العسكري المهني، هو ما منح القوة تماسكًا لا تُفلته الحملات الإعلامية.

ومن حيث الاحترافية العسكرية، فإن عملية التجنيد والتدريب والتأهيل جرت عبر ضباطٍ أكفاء من القوات المسلحة نفسها، وبُنيت على هيكلٍ عسكري واضح، يبتعد في جوهره  عن العصبيات والنعرات. لذلك، فإن محاولات اختزال الصراع في ثنائياتٍ تبسيطية لا تصمد أمام الواقع الميداني ولا أمام وعي القواعد.

لقد أثبتت التطورات الميدانية، كما أثبت صعود الخطاب السياسي لقوى تأسيس، أن آلة الدعاية المسنودة إقليميًا لم تحقق أهدافها. فالتقدم الميداني لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة تماسكٍ تنظيمي، وقراءةٍ سياسيةٍ أعمق لطبيعة الأزمة السودانية.

في المحصلة، فإن الرهان على تفكيك الخصم عبر الإعلام واستثارة الهويات الفرعية هو رهانٌ خاسر. السودان لا يحتاج إلى تأجيج حربٍ أهلية طويلة، بل إلى معالجة جذور التهميش، وبناء عقدٍ سياسي جديد يحقق العدالة والتوازن. وما لم يُدرك صُنّاع القرار هذه الحقيقة، ستظل استراتيجياتهم تدور في حلقة الفشل نفسها، مهما اشتدّ ضجيجها الإعلامي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!