تعقيب على د. الوليد مادبو.. المياه تحت الجسر لا تنتظر أحداً

بقلم: حاتم الياس
طالعت مقالاً مميزاً للدكتور الوليد مادبو في صحيفة التنوير الإلكترونية، يضع فيه تصوراً لإنهاء القتال عبر لقاء مباشر بين قائد قوات الدعم السريع الفريق محمد حمدان دقلو وقائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان. وهو لم يقل ذلك بصورة مباشرة، وإنما وضع مجموعة من الحيثيات بمرجعية معرفية وسياسية، مستنداً إلى مدارس واتجاهات ومعاهد معنية بصناعة السلام وتحليل النزاعات، وأشار إلى عدد من المراجع والمؤلفين. فالرجل أكاديمي ومدرّب على إسناد طرحه بالمرجعية المعرفية التي تعزز مشروعية خطابه ضمن سياق المقال.
ومن جانبي، أود أن أعقّب على بعض النقاط، دون أن نختلف مع الكاتب في ضرورة الوصول إلى سلام شامل، سواء بالجلوس مع البرهان أو علي كرتي، وإنما من زاوية أرى أنها أساسية في هذه المقارنة: بنية القرار السياسي لدى الأطراف المتحاربة.
فلم يسأل الدكتور، في كل الحالات والنماذج التي استند إليها، بدءاً من إيرلندا وانتهاءً بحروبنا الأهلية في أفريقيا، عن أوجه التشابه تحديداً في بنية القرار السياسي لدى الأطراف المتحاربة. إذ إن الوصول إلى أي اتفاق يعني امتلاك القدرة على الدخول فيه بإرادة سياسية مفوضة وممنوحة بالكامل لمن يجلس ويتفاوض لإنهاء الحرب.
وهنا تأتي بعض المقارنات، بشكل ساخر وليس تقليلاً من طرح الدكتور، بما يلزمه بالاعتذار لنيلسون مانديلا، وهو يضعه كنموذج مقارن لحالة البرهان.
فمانديلا، برمزيته وتاريخه، لم يكن المفاوض الوحيد، وإنما كان جزءاً من بنية قرار سياسي للمؤتمر الوطني الأفريقي. فعندما بدأت مفاوضات الانتقال السياسي في جنوب أفريقيا، لم تكن المفاوضات بين مانديلا ودي كليرك وحدهما، وإنما كانت عملية سياسية واسعة شاركت فيها مؤسسات المؤتمر الوطني الأفريقي وقياداته، إلى جانب أحزاب وقوى سياسية أخرى. وفي مراحل التفاوض المختلفة، كانت القضايا الكبرى تُناقش داخل قيادة المؤتمر، ولم يكن مانديلا يملك وحده أن يقرر ما يُقبل وما يُرفض أو أن يفرض نهاية التفاوض على تنظيمه.
وهذا تحديداً ما يجعل تجربة جنوب أفريقيا مختلفة عن فكرة القائد الذي يذهب منفرداً إلى طاولة التفاوض حاملاً تفويضاً شخصياً.
وفي إيرلندا الشمالية، لم يكن جيري آدامز هو الصوت الوحيد الذي يقرر باسم الحركة الجمهورية. كان آدامز رئيساً لـSinn Féin، بينما كانت للحركة الجمهورية بنية سياسية وعسكرية أوسع، وكان الجيش الجمهوري الإيرلندي IRA يمتلك مجلس جيش وهيكلاً قيادياً، وظلت القرارات المتعلقة بوقف القتال والسلاح ونزع السلاح مرتبطة بهذه البنية. كما أن اتفاق الجمعة العظيمة عام 1998 لم يكن اتفاقاً ثنائياً بين آدامز والحكومة البريطانية، وإنما جاء نتيجة مفاوضات متعددة الأطراف شاركت فيها الحكومتان البريطانية والإيرلندية وأحزاب وقوى سياسية من أيرلندا الشمالية، برئاسة جورج ميتشل.
وهنا أعني المسار الجماعي للقرار في البنية السياسية وحتى العسكرية، الذي يظهر في الشكل القيادي المنفّذ.
وما يجب أن يناقش هنا هو: هل البرهان يملك هذا الحق؟ وهل لديه القدرة على أن يصنع، ولو هامشاً صغيراً، لقراراته كقائد للجيش؟
وبالتالي، فإن جلوس البرهان مع حميدتي مرهون بوضع البرهان نفسه، وبالشبكات المعقدة التي تسيطر على القرار في الداخل الإسلامي، المؤتمر الوطني، أو في الدول المجاورة التي أصبحت تشارك الإسلاميين في وضع التصور السياسي لقضية الحرب والسلام في السودان، وتلتقي معهم في المصالح الاستراتيجية.
أما الإشارة الأخرى إلى اتفاقية جدة باعتبارها اتفاقاً صالحاً حتى الآن للسير فيه، فلم تعد مجدية في تقديري. وأعتقد أن السياسة السعودية نفسها، بانحيازها إلى أحد أطراف النزاع، بل والتوقيع على اتفاق مجلس تنسيق مشترك، أفقدت السياسة السعودية حيادها تجاه الصراع في السودان، الأمر الذي يجعل العودة إلى اتفاق جدة غير ممكنة.
فاتفاق جدة نفسه لم تكن قيمته فقط في النقاط التي تم الاتفاق عليها، وإنما كانت قيمته الأساسية في الجهة الراعية: المملكة العربية السعودية، بثقلها الإسلامي والعربي والعالمي، وقيمتها في نفوس أهل السودان. وللأسف، أبعدت المملكة نفسها الآن عن أن تكون جهة تيسير للتفاوض ورعاية له، وهو أمر يحتم مغادرة محطة اتفاق جدة.
الأمر الأخير، والمتعلق بقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، هو أنه عندما وصل الدعم السريع إلى جدة في ذلك الوقت، كان الدعم السريع هو الطرف الوحيد الذي يقاتل في الجهة الأخرى. لكن الآن أصبح الدعم السريع أحد مكونات تحالف تأسيس، الذي يضم قوى عسكرية مختلفة، وصمّم ميثاقاً ودستوراً، ولديه حكومة.
ومن غير المنطقي أن يرتدي قائده زيه العسكري ويلبي دعوة للجلوس مع البرهان باعتباره قائد قوات الدعم السريع فقط. ألا تعتقد أن ذلك، إن حدث، فيه تجاوز للمؤسسية في التحالف، وتجاوز كذلك لحكومة تأسيس، التي هي الآن وحدها من تمتلك حق التفاوض والجلوس مع البرهان وغيره؟
وأي تفويض لقيادة الدعم السريع الآن بالتفاوض يجب أن يكون شأناً مؤسسياً كاملاً؛ لأنه ببساطة، الدعم السريع هو من يتبع لحكومة تأسيس ضمن تحالف واسع، وليس حكومة تأسيس هي التي تتبع للدعم السريع.
نعم، للعالم نظرته الواقعية جداً في تحديد قيمة الثقل والتأثير الحقيقي على الواقع، وبشكل مجرد بعيداً عن أمنياتنا وتقديراتنا. لكن تلك جبهة أخرى لا بد أن نقاتل فيها. وهي أن نقول إننا تحالف ومشروع سياسي وعسكري هو الذي يتفاوض، وليس فرداً أو جماعة عسكرية.
لأن قتالنا هنا، وإصرارنا على ذلك، هو الذي ينتج أثره الفعال سياسياً وعسكرياً، ويقول إننا لا نريد أن نوقف حرباً فقط، وإنما نريد أن نضع البديل الحقيقي لاستدامة السلام.




