
مؤيد الأمين
مقدمة: وطن يئن تحت وطأة حرب بلا قضية
الوطن اليوم ينزف من كل أوردته.
من الخرطوم إلى الفاشر، ومن نيالا إلى كوستي، تسيل دماء الأبرياء لا لشيء سوى أنهم أرادوا وطناً حراً، يملكون فيه الكلمة والكرامة. الحرب التي تشتعل منذ أبريل 2023 لم تعد حرباً بين “الدعم السريع” و”الجيش”، بل تحولت إلى حرب ضد المواطن ذاته؛ المواطن الذي تجرأ وقال “لا” في وجه الاستبداد وأسقط النظام الإخواني في ثورة ديسمبر المجيدة
لقد صارت الحرب أداة انتقام منظمة ضد الثورة وضد الحلم الديمقراطي. حرب لتصفية روح ديسمبر، وحرب لسلب الحريات ووأد كل أمل في قيام دولة مدنية عادلة. الحرب اليوم ليست مجرد صراع مسلح؛ إنها مشروع سياسي كامل للتيار الإخواني القديم، الساعي بكل خبث للعودة إلى الحكم عبر بوابة الخراب والدمار.
الإخوان المسلمون… من رصاص الفجر إلى رصاص الخراب
حين اندلعت شرارة الحرب، لم يكن من الصعب على المراقبين أن يروا بصمات “الكيزان” واضحة في كل رصاصة تُطلق، وكل خطاب كراهية يُنشر، وكل شائعة تُزرع لتسميم العقول. فالإخوان المسلمون، الذين أطاحت بهم الثورة، لم يغادروا المشهد فعلياً، بل اختبأوا في الظلال، ينتظرون لحظة الانقضاض على الدولة المنهكة.
لقد نجحوا، بدهاءٍ منقطع النظير، في إعادة إنتاج أنفسهم داخل مؤسسات الدولة عبر تحالفات خفية وشبكات قديمة من الولاء والتمويل. واستخدموا الحرب الحالية كغطاء للعودة إلى المسرح السياسي، متسلحين بخطاب “الجيش والعقيدة” و”الدفاع عن الدين”، بينما هم في الحقيقة يدافعون عن مصالحهم الخاصة وعن مشروعهم الفاشي القائم على السيطرة والإقصاء.
الحرب بالنسبة للإخوان لم تكن يوماً دفاعاً عن الوطن، بل كانت دفاعاً عن سلطتهم الضائعة. إنهم يستخدمون “الجيش” كواجهة عسكرية، و”الإعلام الوطني” كمنصة دعاية، و”الدين” كسلاح معنوي لتعبئة العامة حول مشروعهم، الذي يرفض الدولة المدنية ويخشى من سيادة القانون والعدالة والمواطنة.
حرب ضد المواطن وليس ضد الدعم السريع
من يتتبع مجريات الحرب، يلاحظ أن القصف والقتل والنزوح لم يستهدف المقاتلين بقدر ما استهدف المواطنين.
المدن التي كانت تعج بالحياة تحولت إلى خرائب.
المستشفيات أغلقت، الجامعات تعطلت، الأسواق انهارت، والمزارع تحولت إلى ساحات معارك.
لكن الأسوأ من الدمار المادي هو الدمار المعنوي.
تفشت أمراض خطيرة غير عضوية، أمراض في الوعي والضمير.
العنصرية عادت بقوة، والقبلية صارت مبرراً للقتل، والكراهية تحولت إلى ثقافة عامة.
لقد نجح الإخوان في خلق جدار من الشك والعداء بين مكونات المجتمع السوداني، جداراً صنعوه بإتقان عبر إعلامهم المسموم ومنصاتهم التي تبث الفتنة ليل نهار.
كانوا يعلمون أن وحدة الشعب هي السلاح الوحيد القادر على هزيمتهم، فعملوا على تمزيقها.
وحين وحدتنا الثورة على هدف واحد: الحرية والسلام والعدالة، جاءوا بالحرب لتفريقنا.
استبدلوا الهتاف في الشوارع بصوت الرصاص، واستبدلوا التلاحم بالتحريض، واستبدلوا الأمل باليأس.
أطماع الإخوان: عودة عبر الدمار
الإخوان لا يريدون نهاية هذه الحرب، لأن نهايتها تعني نهاية مشروعهم.
فهم يدركون أن السودان إذا استقر، فسيحاسبهم الشعب على ثلاثين عاماً من الفساد والقهر وسرقة الأحلام.
لذلك تراهم يحرصون على استمرار الفوضى، وعلى تغذية الكراهية داخل الجيش والمجتمع، حتى يبقى السودان معطلاً، يتسول المساعدات، ويغرق في دمائه.
إن مشروعهم بسيط وخطير في آن واحد:
تدمير المؤسسات المدنية بالكامل.
تشويه صورة القوى الثورية والديمقراطية.
تقديم أنفسهم كمنقذين وطنيين في مرحلة ما بعد الحرب.
وهم في سبيل ذلك، لا يتورعون عن استخدام الدين كسلاح دمار شامل، ولا عن التحالف مع أي جهة إقليمية أو دولية تضمن لهم عودة النفوذ والتمويل.
فالإخوان المسلمون في السودان لم يعودوا مجرد تيار محلي، بل شبكة مصالح مرتبطة بقوى إقليمية تتخوف من صعود نموذج ديمقراطي حر على حدودها.
حين تتحول الحرية إلى تهمة
في مناطق سيطرة الكيزان، صار مجرد الدعوة لوقف الحرب جريمة.
من يقول “كفى” يُتهم بالخيانة.
من يدعو للسلام يوصف بأنه “تابع للدعم السريع” أو “عميل للخارج”.
لقد أصبحت اللغة نفسها رهينة لآلة الدعاية الكيزانية، التي تصوغ المفردات لخدمة أجندتها.
لقد تم تشويه مفاهيم الثورة بالكامل:
فكلمة “مدنية” صارت تُفسر بأنها “كفر”،
و”الديمقراطية” تُقدم كفوضى،
و”الحرية” تُصور كتهديد للأمن القومي.
هكذا يزرعون الخوف في النفوس، حتى يتنازل الناس عن حقوقهم طوعاً.
إنهم يعيدون إنتاج نفس الخطاب الذي استخدموه طيلة حكم البشير، حين جعلوا الناس يختارون بين “الاستقرار تحت الظلم” أو “الفوضى في الحرية”.
لكن الحقيقة أن لا استقرار بدون حرية، ولا أمن بدون عدالة، ولا وطن بدون مواطنة متساوية.
الثورة هي الحل وليس الحرب
الطريق إلى خلاص السودان لا يمر عبر الدبابات ولا عبر البندقية.
يمر عبر استعادة روح ديسمبر، تلك الروح التي جمعت القرى والمدن تحت راية واحدة.
الثورة التي حلم بها الشهداء كانت مشروعاً لبناء وطن يتسع للجميع، لا وطن يُدار بعقلية الثأر أو الإقصاء.
يجب أن نعيد الاعتبار للثورة كمنصة توحيد، لا كذكرى موسمية.
أن نحيي لجان المقاومة، ونقابات المهنيين، والمنظمات الشبابية، وأن نعيد تنظيم الصف الثوري في الداخل والخارج لمجابهة مشروع الكيزان سياسياً وإعلامياً وفكرياً.
فالمعركة اليوم ليست فقط في الميدان، بل في الوعي.
علينا أن ننتصر في معركة الوعي أولاً.
أن نواجه خطاب الكراهية بخطاب التسامح، وخطاب الحرب بخطاب السلام، وخطاب الإقصاء بخطاب المشاركة.
دعوة إلى توحيد الصف الثوري
لقد آن الأوان أن يتوقف كل من ينتمي لمعسكر الثورة عن التناحر الداخلي.
الخلافات الفكرية مشروعة، لكن الانقسام كارثة.
الكيزان لا ينتصرون بقوتهم، بل بضعفنا.
حين نختلف، يدخلون بيننا، وحين نتصارع، يجلسون في الصفوف الخلفية بانتظار انهيارنا.
يجب أن نتوحد حول الحد الأدنى المشترك:
إيقاف الحرب فوراً.
رفض أي تسوية تُعيد الإخوان إلى الحكم.
التأسيس لدولة مدنية ديمقراطية تُدار بالقانون لا بالعقيدة.
كل صوت حر، كل ناشط، كل صحفي، كل معلم، كل مزارع، عليه أن يدرك أن معركتنا الحقيقية ليست ضد بعضنا، بل ضد مشروع الخراب الإخواني الذي يسعى لسرقة السودان مرة أخرى.
خاتمة: لنعيد للوطن أنغامه
الوطن اليوم أشبه بجسدٍ مثقوبٍ بالرصاص، يحتاج إلى من يضمد جراحه لا من يفتحها أكثر.
الدماء التي تسيل في الخرطوم والفاشر والجزيرة هي دماء سودانيين مثلنا، لا يجوز أن نفرح بموت أحدٍ منهم.
الحرب لن تصنع النصر، بل ستصنع مزيداً من القبور.
فلنوقف صوت البنادق، ولنرفع من جديد شعاراتنا الأولى:
حرية، سلام، وعدالة.
ذلك الحلم الذي مات لأجله الشهداء لن يموت ما دمنا نحمله في قلوبنا.
فلنعد نغمة الوحدة بيننا، ولنقل بصوت واحد:
لا للحرب، لا للكيزان، نعم لوطنٍ حرٍ ديمقراطيٍ تسوده العدالة والمواطنة.
ختاماً
إن التاريخ لا يرحم من يصمت أمام الظلم.
فلنكن صوت الذين فقدوا أصواتهم تحت القصف، ولنكن صفاً واحداً في وجه المشروع الإخواني الذي يحاول سرقة الوطن من جديد.
لنستعيد السودان من بين أنياب الحرب، ولنُعيد له وجهه الجميل الذي أشرق يوماً في ديسمبر.




